سنة النشر : 01/05/2009 الصحيفة : الاقتصادية
صحيح أن كل أمانينا ألا تقع الحوادث، ولكنها تقع. قدر الحياة. ولكن السؤال دائما عندما تحل الكوارث، هل هي مجرد حادث؟ وهنا يجب أن نقول أيضا إن كلمة حادث هي الأكثر استخداما عندما تقع الحوادث الكبار، وإن كلمة حادث هذه هي مجرمة أو وسيلة إجرامية في حالات كثيرة.. تسمع "مجرد حادث" فتقف كل شعرة في جسدك، لأنك تعرف أن الكلمة هذه مُيعت لموضوع لا بد ألا يميع.. عندما يكون الحادث أن يموت إنسان.. فكلمة حادث هي الشماعة السوداء التي تقطر دما.. حتى السفاحين يعلقون عليها ضحاياهم، ويمضون ليتابعون.. عملهم!
وعندما تسمع خبرا مثل " حادث العبارة" فإن كل كيانك يدخل في دوامة لا تصفها مجرد كلمة أو جملة أو مقال أو حتى سفرٌ من الأسفار.. تدخل نفقا مريعا من الهول الشعوري والخوف والقلق والترقب والخيال المؤذي العنيف وأنت تتصور الأرواح وهي تناضل بفزع الآخرة والموت أمامها ينهال بمنجله.
الحوادث نوعان، نوع قدري لا دخل ولا قدرة للبشر على منعه مهما أخذت الحيطة وسبل الوقاية وهذا هو الحادث الحقيقي، أو التفسير المقبول الوحيد بعد أن تكتمل أركان نأي القدرة الإنسانية عن منع حصوله، وحوادث أخرى كان من الممكن منع حصولها، أو التقليل من تواتر حصولها، أو أن تخف بشكل دراماتيكي أضرارها لو أن سبل الوقاية والحيطة اتخذت بصورتها العلمية السليمة ضمن المعايير المقبولة، هنا يجب أن نشطب كلمة حادث، ونضع بدلها كلمة خطأ بشري في أقل الأحوال، و"جريمة بدم بارد" في قمة مؤشراتها.
وحتى المآسي والكوارث الطبيعية الكبرى التي تحل بآلية كونية لا يد للإنسان في أسبابها، إنما أيضا تدخل في شيء من المسؤولية البشرية، عندما تقل وسائل الحيطة المسبقة، وخطط الإنقاذ المعدة حين تنكشف الأرض عن نيرانها وغضبها. بمعنى أن الزلزال قد يضرب طوكيو، وقد يضرب مدينة في دولة من دول آسيا أو إفريقيا أو أمريكا الجنوبية، وإنك ستجد أن الضحايا البشرية تفوق أضعافا مضاعفة عما هو في طوكيو، بسبب الإعداد الهندسي وتجارب الوقائع الوهمية والتيقظ الدائم. ويموت من بعد حلول الكارثة الطبيعية أعداد أكبر من البشر بسبب سوء عمليات الإنقاذ، وبسبب الأمراض المعدية، وبسبب الجوع والتشرد، فتبقى الكارثة التي حصلت في دقائق أو ساعات جرحا زمنيا لا ينغلق، بينما يكون الأمر في الدول الأكثر حرصا وإعدادا وتيقظا ووعيا في ملف الذاكرة، لا للنسيان، ولكن لأنهم عالجوا الجرح، ولم ينسوا أن يستفيدوا من التجربة الأليمة لتطوير الوسائل والعلاج.
ونعود للعبـّارة التي غرقت في البحر الأحمر وهي تغادر ضباء، هل الأمر مجرد حادث؟ ها هو أمر إلهي حلّ كالقضاء، أم أن هناك أخطاء بشرية؟
.. إني أحسب حسابا كبيرا بأن الأمر لا يمكن أن يقع بظروفه في بحر البلطيق مثلا، أو حين التنقل بين الجزر في اليابان أو هونج كونجو ومكاو.. إن في كثير من حوادثنا أخطاء بشرية تبدأ من سوء تطبيق الأنظمة المرعية في أنظمة ووسائل ومعايير الأمن، إلى العجينة الرخوة التي تتشكل من الأجهزة البيروقراطية العربية المعنية بسلامة المراكب العابرة للبحار، إلى الأغلاط الفردية المميتة.. المهلكة!
أفادني صديق يعمل في صناعة الموانئ أن العبارة كانت ابتعدت عن ضبا بمسافة ساعتين من الزمن عندما اشتعلت النار في كراج العبارة.. وفي رحلة لم تقطع ربعها الأول (الرحلة من ضبا إلى سفاجة تستغرق 8 ساعات) تتعجب أن يكمل ربان العبارة المسير قدما وهي حالة إعلان نار مشتعلة. نعرف منطقا من أصول السلامة هو عدم المجازفة – أبدا ـ بالروح البشرية. فالربان كان يجب أن يوجه السفينة إلى أقرب ميناء وهو ضباء في هذه الحالة وهو يعمل كل جهده لإطفاء النيران.. وسمعت بمحطة "العربية" الضابط َالثالث في العبارة يقول إن وسائل الاتصال قد تعطلت، وأن جهازا وحيدا مرتبطا بالقمر الصناعي هو الذي كان يعمل، ويعتقد أنه كانت وسيلة الاتصال.. أي أنه غير متأكد إن جرى إرسال الـ S.O.S المعروفة في لغة البحار (أنقذوا أرواحنا) أعرف من كلام الضابط الثالث أن القبطان أو مهندس الاتصال قدّر أنه لا داعي لبعث رسائل الإنقاذ أول ما بدأت النار، ولم يفكر فيها إلا عند طلوع الروح.. أي والسفينة تحت رحمة البحر.. وتسأل أسئلة كثيرة كان يجب أن تراعى رعاية استراتيجية في أننا – وهذا ما أتمناه الآن ـ أن ميناء ضباء، على الأقل، تأكد جديا وعمليا وضميريا وحسب المعايير العالمية أن السفينة ليست صالحة للإبحار فقط، ولا أن البحر في حالة تناسب الإبحار الآمن وحسب، بل إنهم تأكدوا أن كل تفاصيل الأمن عند حدوث الغرق موجودة، من عدد الستر البحرية، إلى طُوَف الإنقاذ والقوراب، ووسائل الاتصال.. كل شيء! هذا يهمنا، لا لتبرئة نفسنا من ذنب الغرقى، فنحن حزينون ولا ينفع أن يرفع هذا الحزن أننا لم نخطئ، ولكن حتى لا توجه لنا أصابع الاتهام، وحتى لا نعيش أزمة ضمير..
إني أرجو الله أن تكون هذه العبّارة آخر عبارة تغرق بين الميناءين.. وأن نكون صارمين في الإعداد والتوقي والصرامة والجدية والاستعداد فيما لو صار القدر.
وهنا يجب أن ننادي بألا نعتمد فقط الإشارات المرسلة من ربابنة العبارات، بأن يكون عندنا نظام ملاحة فائق التقدم كما يجري في حركة الطيران بربط الطائرات برادارات البرج ليعلم المراقبون الأرضيون أي تغيير أو انحراف عن المسار في التو واللحظة.. إن تواصلا كهذا لن يجعل القيادة أمرا يرجع لتقدير شخص واحد.. تقدير تعتمد على سلامته مئات الأرواح..
أنا آسف جدا..لا يمكن أن أهضم وصف حادث على عبارة تحمل المئات ثم يأكلها بمن عليها البحر.
نطلب الرحمة للغرقى ولعلهم برحمة الله الواسعة من الشهداء، والثبات ورسوخ الإيمان والصبر لأهاليهم.. وأن تكون هذه آخر عبارة يبتلعها البحر.. إلا فيما المشيئة الإلهية بتصريفه الكوني..
لنتعايش مع أحزاننا ونتعلم جيدا من الدرس الفادح، لنطلق على هذه العبـّارة.. عبـّارة الأمل!