المسألة الدنماركية.. زيارة من الجانب الآخر

سنة النشر : 01/05/2009 الصحيفة : الاقتصادية


لقد كان مقالي السابق بعنوان رسالة إلى سفير مملكة الدنمارك، واحدا من مقالات العمر فعلا، فلقد تلقيت آلاف الرسائل، ولم يقف لي جهاز يتلقى أي أنواع الاتصالات. ولقد أعادت هذه الرسائل صياغة عقلي بالكامل، وكأني بزغت شخصا جديدا، أو أني حُملتُ إلى آفاق فكرية جديدة كانت عصية علي فيما سبق من الأيام. ولقد عرفت على وجه التأكيد أن الناس كاتبتني وهاتفتني وعقبت علي، وعلى كل المستويات من الناس في مواقعهم المختلفة، يردون علي بتواضع، وحب، أن الموقد الذي حرك هذه الآلة الهائلة من الردود لم يكن شيئا أملكه دونا عن الآخرين يشدهم إلى ما أكتب، ولكن الذي شدهم هو الموضوع، لا كاتب الموضوع.

وتعلمت درسي الأكبر من قرائي المحبين الناصحين أنك حين تكتب لا بد أن تخرج من ذاتك وتنعتق من نفسك، وتصبح كلا للجميع، أن تعيش في قلوبهم لا أن تتقوقع في قلبك، أن تعايش القضية العامة التي تشغلهم، لا القضايا الضيقة التي تخصك. ولقد قدم لي الناس النصائح، والأفكار، ونوروا طريقي، وأعتقد أني اليوم أكثر ثقة، وأرسخ فكرا، وأوسع مساحة في الإيصال، والناس قوة حميدة لا يمكن تصور مداها، فلقد انتشرُت أكثر من أي وقت انقضى وأنا أصبغ الورقَ بالحبر، لأن الناس قرروا أن يضعوني تحت الشمس. إني أشكر ربي الذي يجعل لك مخارج شاهقة من النور عندما تعتقد أن ليس في الدنيا سوى الظلم والظلام. وعرفت معنى ما أسمعه طيلة حياتي ولا أعيه كما وعاني الأحباب من الناس إليه في أن ألله إذا أحب عبدا حبب الناس إليه.. لذا أود استئذناكم باستعراض سريع لمعالجة مشكلة من الجانب الآخر وهي قضية التجار المتعاملين مع الدنمارك..

حسنا ليست الفكرة من عندي، ولا هي من دواعي خصالي الحسنة، ولكن لأن كثيرا من القراء الواعين على مصالح الآخرين رغم عتامة الموقف اقترحوا علي أن نبحث معا في مسألة هؤلاء التجار الذين سينالهم من المقاطعة ضررا متوقعا.. حسنا هذه إضاءة تدل على أننا مجتمع يئنّ بعضُه إن تألم البعضُ الآخر..

لا شك أن المقاطعة التي صارت للدنمارك أثبتت للدنيا أننا لسنا شعب مظاهرات وحركات سمجة تدمر موجوداتنا أكثر مما تضر من أغضبنا، ولا نحرق، ولا نتطاول بالكلام كما يتطاولون على أعز ما لدينا بأسوأ الكلام. لقد حركنا الدنيا لأول مرة، ولكنه إنذار أننا نستطيع كشعب بكلمة واحدة، وبرأي واحد، وبعمل واحد، أن نحركها أي مرة ينال أحد من أهم ما نعيش به وله، ولكن..

ولكننا كمستهلكين عند مقاطعتنا المنتجات الدنماركية لا نخسر شيئا ماديا في الحقيقة (وأرجو أن نكسب الأجرَ الكبيرَ، فالله يكافئنا على أي حال ما دمنا ننوي العمل له) نحن لم نشتر مباشرة من الدنمارك، ولم نفتح خطوط اعتماد بنكية، ولم نحفظ بضائعها في مخازننا، ثم أن البديل، بل إن البدائل، متاحة تملأ الرفوف.. من بالفعل يدفع الثمن ماديا؟ هم التجار المستوردون من الدنمارك، وخصوصا أولئك الذين تعتمد تجارتهم عليها أو أكثرها. لم أسمع تاجرا واحدا يحتج أو يشكو، وأظنهم يرون أي خسارة مادية في سبيل الله إنما هي مكسب لا يقدر بكل أرباح الدنيا..

على أننا يجب أن نفعل شيئا، لأني أنت وأنا ونحن نقاطع الدنمارك نقصد أن نوجعهم اقتصاديا حين يخسرون تعاملنا معهم. وبالقطع، لا نقصد ولا نريد أن يتوجع التاجر الذي هو أخونا ويعاني من الإساءة كما نعاني.. ثم يتحمل وجعا اقتصاديا فوق ذلك. هنا يجب أن نكون واعين حتى لا ندوس رغم عدم قصدنا على بعض أطرافنا ونحن نتدافع في الطريق، حتى ولو كان طريقا تستدعيه الأنوار ويستدعيها.

نعم هناك بعض الحلول وبعض الأفكار، ولن يكون مجديا أن أستعرضها هنا في هذا المقام المحاصر بالمساحة المحدودة، وبالتالي تكون الاقتراحات مبتذلة ومبتورة، ولكن الفكرة كلها من وراء المقال أنه يجب أن نعي أن هناك معاناة قد يواجهها إخواننا التجار.. وهم يعلمون أننا حين نحس بهم ونقف معهم، نعطيهم أيضا درسا في المحبة والأخوة، ليكونوا في المستقبل أكثر ارتباطا بنا وبمجتمعنا فتخف هذه الخنادق التي تفصل بين التجار وجموع المستهلكين، ونثبت لهم أن مواقفهم الكبيرة لن تذهب ُسدى، وأننا سنكون معهم.. ألسنا مسلمين؟ ألسنا إخوانا؟ ألسنا صفا مرصوصا؟ ألا نشد بعضنا بعضا؟.. بلى!

إني أطلب أن نفكر في الموضوع سريعا، وأن يكون هذا الموضوع مطروحا لأول اجتماع حكومي كبير مثل مجلس الوزراء، وأن يكون الآن موضوعا أوليا أمام الغرف التجارية ومجلس الغرف وامتحانا فعليا لقدرتها في إيجاد الحلول وإسعاف المواقف الطارئة، وأن يكون مطروحا الآن أمام وزير التجارة ووكلائه، وأمام كل قطاع مدني فاعل، وأمام قطاع الإعلام على وجه الخصوص.. وأن نعرف أن ما خـُزِّن الآن من آلاف الأطنان في مستودعات التجار هو من نعم الله وليس حكرا على الدنمارك.. وأن تصريفه للنفع ( كأن يوزع في وجوه الخير مثلا) يجب أن يكون فعالا وكفؤا وسريعا حتى لا تفسد ونضيّع نِعَمَ الله هباء.. فغضبنا على الدنمارك، وليس على الطعام..

نريد أن نقول لكل تاجر وقف وعارض ما فعلته الدنمارك بحرِّ ماله، وجازف بمال الدنيا في سبيل ضميره المؤمن، محبته الخالصة لحبيبنا وسيدنا محمد، إننا معك، وإننا لم، ولن ننساك. ونعرف، بل نثق، بأن الله سيجعل لك مخرجاً لأنك اتقيت الله..

نحن نعلم يا أخي التاجر أنك أنت الذي على وجه المدفع.. هل يخفف عنك إن قلنا إننا إن شاء الله كلنا وراءك!