سنة النشر : 01/05/2009 الصحيفة : الاقتصادية
.. نفتتحُ الموضوع بتقديم الامتنان على تسمية قمة قادة مجلس التعاون دول الخليج المعقودة في أبوظبي تيمنا بعاهل المملكة السعودية الراحل يرحمه الله.
وهذه القمة هي رقم 26 من ماراثون القمم الذي بدأ في أبو ظبي لأول مرة، وها هو ينعقد الآن بأبو ظبي بعد جري في مضمار طويل. مضمار نعترف أننا لم نحقق به الكثير من المأمول، كان المأمول أن يكون سباقا تتابعيا تعاونيا منظما، يسلم العصا من متسابق إلى زميل متسابق آخر بانتظام، ولياقة، وتعرٍّ كامل من الذاتية، ولا يهم أي فرد هو الذي يقطع المتر الأخير مادام كسب السبق محفوظا لكل واحد من متسابقي الفريق. ولكن المشهد لم يكن كذلك إلى مسافة طويلة من الذي قـُطـِعَ في المضمار. بعض المتسابقين جاور اليأس من اللهاث وحيدا، ولا أحد يتسلم العصا، وبعض آخر أخذ العصا وجرى في المضمار وحده، وبعض آخر أخذ العصا وجرى بمضمار آخر تماما، وبعض آخر لم يتسلم العصا ولم يسع َ في المضمار. والسبب كما تمنيت من زمن عدم الاستغراق في الشأن السياسي حتى الغرق، والالتفات للمصلحة المادية، أي المصلحة الاقتصادية، لأنهامصلحة واضحة ومسببة ومقاسة والأهم طبيعتها الأولى التي لا تستقيم بلاها، وهي التبادلية. لا اقتصاد بالدنيا بلا الاعتماد على محور أول وهو التبادل.. والتبادل غير التعاون، فبينما يبقى التعاون معنى أدبيا مطلقا يختلف به كل أحد قياسا وعطاء وتفسيرا، فيكون مادة تكفل خميرة للخلاف، يبقى التبادلُ مُقـَاسا وضرورة اعتمادية، وقابلة للنقاش والمفاصلة والتنازل البيني، لتتحقق المبادلة التي تكفل ماهية الاقتصاد.. الاقتصاد الذي هو عماد الدول.
في قمة البحرين والتي سميت قمة "زايد"، ورفعنا امتناننا في حينها، لاحظنا أن الاقتصادي تقدم على السياسي، وحتى لما نشأ اختلاف في وجهة نظر بين المملكة والبحرين في التقدم بصورة منفردة في الاتفاق مع الولايات المتحدة في السوق المفتوحة، كان طابع الخلاف سيساسيا وليس اقتصاديا، انطلاقا كما سبق الإيضاح من مبدأ التعاون غير القابل للقياس، وليس انبعاثا من مبدأ التبادل الذي لا يقبل شيئا غير القياس. ولكن كان الخط الاقتصادي العقلي المسبب واضحا، وكأن عقلية المجلس مرت بمراحل، وتجارب، وخبرات، وتحديات، ومكتسبات من حصيلة الواقع، جعلت عقلية تصل إلى بوابات النضوج.. النضوج العقلي المنطقي المسبب الذي هو أسمنت أي بناء تكتلي تبادلي (تعاوني إن شئت!).
أولا ما يحقق بداية تفاؤلية دافعة هو حجم وجود القيادات في هذه القمة، فجميع القادة حاضرون، وحتى الذين لم يحضروا لم يكن هناك سبب لرفع حاجب للتساؤل الغامض، كان جليا أن الذي لم يأت لأبوظبي هذه المرة كان الحائلُ جسديا من أثر المرض، والذي حضر مُمِثلا يتمتع واقعيا بقوة سلطة ونفوذ القائد.. فإن غاب الجسدُ لم تغب قوة مستوى الحضور، لذا فالقمة من هذا الركن المهم اكتملت تماما، وهذا دليل يؤكد صحة ما تمنيناه عن نضوج العقلية العامة للمجلس نضوجا يساوي حجم النضج لكل قائد بمفردة.
يأتي القادة كما نأمل بسبب هذا الدافع السببي المنطقي العاقل المدرك لمصالح الأمم، وأكبر ما يطمئننا لهذا الاستنتاج، أنهم يجتمعون كلهم في أبو ظبي، والخليج لم يتحول إلى جنة خالية من المسائل والخلافات البينية، فمعظم الاختلافات مازالت في أكثرها في مستوى تواترها (ولا نحبذ تفاؤلا أن نقول توترا). إذن، الاختلافُ ليس بقلة الخلاف، ولكن بالترفع عن الخلاف لأمر أمضى في مصلحة الأمم وأبقى.. ومن هنا نحن متأكدون أن القمة في "قمة" عافيتها الآن.. ولسنا آسفين على الإعسارات الماضية مادام أنها ستتمخض في النهاية عن عقل خالص حكيم يقدر مصالح الدول الذي يقود عقلا ومنطقا إلى مصلحة كامل المنطقة.
ثم يأتي هذا النضوجُ في وقته تماما، فلقد بانت خريطة العالم الاقتصادي تماما، وصار الأمر مكشوفا لوضع خطة المسير مادامت مسافة النظر مفتوحة إلى الآفاق البعيدة بلا سراب من الترقب والجري بين المؤتمرات والاجتماعات في تحيق دخول السوق.. الآن الدول في الخليج كلها عرفت أين رأسها من قدمها في الوضع السوقي الكوني.. إن الوصول إلى مرحلة النضوج لعقلية المجلس (أي الوصول لإدراك المنطق المصلحي الاقتصادي) مع مرحلة الوضوح في العولمة هو التقاء مهم، وقد يكون نادرا في فرصته اللامعة، لوضع خطة مفهوم التكتل الذي يتيح لنا تموضعا أقوى في السوق الدولية التي أقول باقتضابٍ ولكن باقتناعٍ إنها ليست عادلة، ولا متكافئة، كما يبشر كبار السوق، وانظر إلى الخلافات العميقة الدائرة الآن في اجتماعات مؤتمر هونج كونج لمنظمة التجارة الكونية، ناهيك عن المظاهرات العنيفة الدؤوب خارج المؤتمر. مازال منطق القوة هو السائد.. وهذا طبيعي (جدا) عندما نفهم تأثير المصلحة، وعندما يكون ميزان التبادل مختلا، فتختل مصلحة المتعاملين..
يحين الوقتُ الذي التأم فيه المتسابقون تتابعيا على المضمار الواحد، بعصا واحدة، وإلى هدف واحد.. هذه المرة ندعو الله ألا تقع العصا!