سنة النشر : 22/06/2009 الصحيفة : الاقتصادية
.. "حسين موسوي"، مرشحُ الرئاسة الإيرانية، شخصٌ يجب أن تترقبه على الساحة السياسية الإيرانية، لم يحقق- حتى الآن على الأقل- هدفَه في اقتناص سدّة الرئاسة في جمهورية إيران الإسلامية، ولكنه يعرف تماماً إيقاع الخطواتِ السياسية باحترافٍ يتعدى ساحة دولته إلى الساحة السياسية والإعلامية الدولية. لم يحظَ بالفوز بالكرسي التنفيذي الأعلى بالبلاد، ولكنه حظي بكل الأضواءِ على المنصّةِ العالمية. ولكل مهتمٍ ومراقبٍ وشخصٍ يتأثر بالسياسة الإيرانية عن قريبٍ أو بعيدٍ، خصوصا في المنطقةِ، أن يتعرف على هذا الرجل، فهو سيؤثر وبشكلٍ كبيرٍ ومباشر في القرار الإيراني في الحكم أو في معارضته.
حسين موسوي، وجه يحب الغربَ أن يتعامل معه، فله ملامح أوسم من نجاد، وهو أكثر أناقة، ويعتني بقصةِ شعره الذائب في الفضة، وبلحيته الدقيقة التهذيب وكأنها قيست في معمل قياس، صعد كنجمٍ أشرقَ في الميدان السياسي في إيران مع ألوان ساطعةٍ وخطابٍ جديد، وبعقلية تعلن تغييرا عما ما كان المراقبُ للشأن الإيراني يعتقد أنها صارت ثوابت مع طبيعة التنظيم الإسلامي القائم من عقود.
هذا الرجلُ خرج من المكاتبِ، والياقات البيضاء، ليكون لاعباً مع مفرقعاته الإعلامية والإعلانية وبرامجه التي وجهها بدهاءٍ وحِنْكةٍ إلى الشباب الإيراني، واعداً أن ينقلهم وإيران إلى بوابات العصر المفتوحة. ولكن.. ثارت الأرضُ تحت أرجل جميع الراقصين، وصار الإيقاعُ نوعا من ألم اللّسْع أكثر من كونه انسجام ولياقةِ الرقص.
حسين موسوي يقود شبيبةَ إيران، بكرزمائيةٍ خارج الأُطُر الإيرانية المعتادة، نحو الكلمة السحرية، بالكلمة التي تأسر الشبابَ: التغيير. وهو يعطي انطباعاً بالعادية الرومانسية، فما زال يمارس عملـََه في مكتبه بوسط العاصمة الإيرانية، ويغدو ويعود بيتـَهُ من الطوب الناري الذي يشيع في الأحياء المتوسطة في طهران. ولم يطرأ من تبدلٍ في نمط حياة الرجل إلا هذه الحراسة المرافقة والمعيَّنة من الحكومة التي يتحداها. وبينما موسوي يظهر بالعادية الرومانسية، فإن الرئيسَ الفائز "نجاد" دارت في العالم صورته بالمظهرية العادية الواقعية، على أن الفرق بين تفكيرهما، ومنهجهما السياسي، ليس فرقا عاديا أبدا.
وعندما يسير موسوي بسيارته، الرباعية الدفع، في أي ميدانٍ أو شارعٍ عام، تهتف له الجماهيرُ وتغني وكأنه بطل من أبطال الألعاب الشهيرة، أو من نجوم الفنّ الكبار. وهناك قصص تحبها الشعوبُ وتصنع منها الملاحمَ، فحسين موسوي شخصية باهرة وأنيقة، وهو مهندسٌ معماريٌ يغلب عليه الفن الراقي، وسبق أن رفض مرتين أن يسابق من أجل الرئاسة.. فأوحى للجميع أن سباقه هذه المرة ليس من أجل الرئاسة ولكن من أجل المبدأ، والمبدأ هو الرقي بدولته وشعبها. قد تقول إن هذا لا يصح في عالم السياسة، والذي هو فن الممكن، ولكن الجموع الغفيرة صدّقته، وفي الصحافة الغربية رأيت أنها مجّدت شخصيته حتى كادت توصله إلى مقام التطهير.. واحتفـَلتْ به كما تحتفل بنجم سينمائي عائد من التبت أو أحراش إفريقيا في مهمةٍ إنسانية. حتى أنه عشية الانتخاباتِ مال كثيرٌ من التقارير الغربية باعتبار أن موسوي هو الفائز لمّا خرج رأيان من كلا المعسكرين، كلٌّ يدعي فوزه. وحتى بعد أن انقشع الغبارُ- أو أنه لم ينقشع؟- عن الشارع الإيراني بعد فوز نجاد - كما تقول صناديق الاقتراع، والتي تشكك بها المعارضة وتنفخ فيها الميديا الغربية- مازالت الحلبة الإيرانية مليئة بمصارعين غير راضين عن الفوز، وغير قادرين على الاستسلام.
ومن تابع من كثب حملة موسوي الانتخابية سيصل إلى نتيجة أنه من أقل المرشحين للرئاسة حدةً في انتقاد سياسة الرئيس محمود أحمدي نجاد، فتصريحاته لا تصل لحِدة اتهامات منافسه مهدي خروبي.. وفي طريقةٍ سلبَتْ لبَّ العقل الإعلامي الغربي، وكل المعسكراتِ الليبرالية في المنطقة، شاركـَتْ في إدارة حملة موسوي، وبطريقةٍ أكثر تأثيراً في تدوير تروس الآلة الانتخابية الموسوية، زوجته "زهرة رهن أفارد"، التي لمعتْ كنجمةٍ في السماء الإيرانية- لدرجة أن أحد كتاب الغرب الساخرين قارن نجوميتهما بنجومية الصديقين الهوليوديين "براد بت" و"أنجلينا جولي"- والسيدة زهرة بروفيسورة جامعية معروفة ومحترمة الرأي والمكانة.
"موسوي" ذو العادية الرومانسية مازال يعمل في مكتبه مديرا لأكاديمية إيران الفنية، وهو في أوجّ حملته الرئاسية وبعدها. ولتعلم أنه ليس متحررا ليبراليا بالمعنى التقليدي العالمي، ولكنها صيغة إيرانية بين التشدد للنظام التشريعي والشرعي، وبين الانتماء لذات النظام ولكن بنظرةٍ أقلّ طقوسيةٍ والتزاما، وأكثر تفتحا على الفهم العالمي وطبيعة المتطلبات التقنية والاقتصادية العصرية. وكما يبدو، أنه أقل أحلاما في الهيمنة خارج حدود دولته.
فـَهْمُ هذا الرجل، مهم جدا لمن يتعامل مع إيران أو يؤثر ويتأثر بها للسنوات القادمة، وستبقى أهميته حيوية في أي مكان كان، سواء في الرئاسة، أو الحكومة.. أو وهو في طريقه اليومي لمكتبـِهِ في وسط طهران.