سنة النشر : 05/07/2009 الصحيفة : الاقتصادية
«لما طلبت مني قبل عامين رابطةُ شبيبة فلسطين في «ميتشغان» الأمريكية كتابة مقالةٍ في مجلتهم لم أعتقد أنها ستُقدَّم لأي جائزة، وأسعدوني بأني تلقيتُ هذه الرسالة: «لقد اختارت دكتورة الأدب الإنجليزي بجامعتنا، وهي أيضا رئيسة لجنة تقييم المقالات الوصفية المرحة، مقالتـَك الخفيفة My Sweet Companion لتحظى بالمرتبة الأولى»- روضة الرّاوي. ولأنها بداية الإجازة، عرّبتُ المقالة، راجيا أن تروّحَ عنكم .. ثم اعذروني إن رأيتم انتقاداً في علاقتي مع رفيقتي».
.. كنتُ ساهما أفكّرُ أمام لوحةِ المفاتيح، ورأسي مملوء بالمواضيع، فالعالمُ نيرانٌ تتـَلـَظـَّى في أكثر بقاعِهِ. وهذه المواضيعُ تتزاحمُ وتتصارعُ وكلّها تريد الخروجَ من دماغي المشحون لتكون حروفا تنالها العيونُ والعقول.
وها أنا مازلت ملتصقاً بالجهازِ وأصابعي جامدة على الأزرّةِ لعلّ رأسي يستقرّ لتلمّسِ أي أوامر دماغيةٍ لأبدأ الكتابة.
ثم، فجأةً، أقبَلـَتْ عليّ ..
أقبلتْ فنظرتُ إليها، فنظرَتْ إليّ. ابتسَمتُ لها، فتلمظـَّتْ وتعطـَّفّتْ وتكَسَّرَتْ بدلالٍ ورشاقةٍ.. ثم وقفتْ لم تتحرّك، وكأن كبرياؤها منعها من أن تأخذ البادرةَ الأولى، فليس هذا من طبع الإناثِ الراقيات. على أني سهوْتُ عن صراع أفكاري ورحتُ أتأمل وأمسح بنظري في جمالها وتناسق أعضائها، يا سبحان الخالق العظيم. وشدّتني الجرأةُ كي أحدِّقَ طويلاً في سحر عينيها، وكانتا بلونٍ بركانيٍّ ملتهـِبٍ مذابٍ بالذهب، ودُهِشْتُ كيف تكون الحِمَمُ المصهورةُ بكلِّ هذه الروعةِ الأخـَّاذةِ، لقد كانتا عينين واسعتين كامِلـَتي الاستدارةِ، وثابِتـَتي التحديق.
أعدتُ ظهري للوراء، وتناولتُ جهاز التحكم وأشعلتُ التلفاز.. وظهر
رئيسُ الوزراء الإسرائيلي مهدّداً يملأ الشاشة، بجلد وجههِ الشاحب، فتعوذتُ من إبليس، ونظرتُ إلى رفيقتي، التي بمثل خفةِ المقاتلاتِ الفلسطينيات قفزَتْ وكأن الجاذبيةَ لا تشدّها، وكأنها تتجنب المنظرَ المؤذي، ثم بهفهفة ورقةِ شجرةٍ خريفيةٍ تقدّمَتْ لا تضع وزناً على الأرض، ثم استكانتْ. ولما ظهر أطفالٌ فلسطينيون يبكون جوعَهم وقهرَهم وضياعَهم كأن شيئا انطفأ في هاتين العينين البركانيّتيْن..
هبـَّتْ نسمة هواءٍ باردةٍ من النافذةِ المفتوحةِ، وانفرَدَ شِـقـَّا الستارةِ كجناحين ضخمين لطائرٍ خرافي، فجرَت فزِعةً ثم توارت خلف الستارةِ الهابطة، وبدأت خطوط أعطافِها تتشكل من وراء الستارةِ كالهُلامِ المتموِّج، ثم أخرجت رأسَها، وسمّرَتْ النظرَ بي في ثباتٍ. وجالت عيناي بمتعةٍ سادرةٍ على وجهها الدقيق، وخَبّ قلبي لألفتِها اللطيفةِ، ثم رمشَتْ بعينيها وتأملتُ العينينِ مرة أخرى، فمَعَ سقوط أشعةِ الشمس في حدَقـَتـَي عينيها تلونتا بلون جمرتين من الزُمُرّدِ المصهور بباطن الأرض.
ولما كانت هبةُ الهواءِ باردة متثلـّجة، فقد استسلمت طالبةً للدفء، وتقدّمتْ نحوي بخطواتٍ أثيريةٍ وكأن الجاذبيةَ انطفأتْ، والتصقـَتْ بي، ثم تكوّمَتْ وتكوّرَتْ حولي، وأرسلـَت إلي رسائلَ عتابٍ كشظايا الورود.
ولأني لم أتجاوب كما أرادت، انعكفتْ وترنَّحَتْ، وسحَبَتْ خواصرها معصورة بمرونةٍ إعجازيةٍ، وبانت تقوسات عظام الصدر كقطَعٍ من المطاط .. آمنتُ بهذا الإعجاز الرباني في اكتمالِ خلقها.
ثم تمحورَتْ حول نفسِها بلا جهدٍ، ودارت بإيقاع أرشق رقصةٍ يؤدّيها مخلوقٌ، وانحلـَّتْ وراء البابِ، ثم انطلقـَت في البهوِ، وهي تودّعني:
- مياو! مياو!