الحلُّ للبنان: لا تبحثوا عن حلّ!

سنة النشر : 26/10/2009 الصحيفة : الاقتصادية

 

.. لبنان لم يكن بلداً عادياً منذ التاريخ، وسيبقى بلداً غير عاديٍّ مع بقاء التاريخ. لبنان امتاز من القدم بأن به ناسا، وهؤلاء الناسُ غير عاديين. لبنان مساحة أرضية ضيقة، توسَّعَتْ بعقولِ ناسِها حتى لوّنت خريطة الأرض.

إلى ما قبل العصورِ الحديثة كان تاريخُ البحرِ المتوسط هو تاريخُ الإنسانيةِ كلها. حول سواحله الجنوبية كان المصريون، ويغطي التاريخُ الدورَ المصريّ البحري في تلك الأزمنةِ التي غابت، وغابت معها حقائق لم نكتشفها إلا من بَعْدٍ. كان جمهرةٌ من المؤرخين يعتقدون أن المصريين مزارعو دلتا، وجوابو نهرٍ.. على أن التأريخَ الدقيقَ يقول إن المصريين، أهل الدلتا بالذات، وقبل قيام الأسُر المعروفة وتوحيد مصر الفرعونية، أوّلُ من ابتدع السفنَ البحرية الكبيرة وصارت لهم موانئ تجارية ثم انتقل الفنّ البحري، وكبر وتعددت منافعه عند الفينيقيين. وشيء سيحفظه التاريخُ البحري؛ كل من بنى الأساطيلَ من الإغريق حتى البريطان إنما بنوها من أجل الحرب والتوسع. الفينيقيون، أهلُ لبنان، أو ما يُسمَّى في ضوابط المراجع القديمة عرقياً وجغرافياً بسوريا، ولبنان فقط جبلٌ ووادٍ. على أن الجبلَ والوادي كان مكانا للطفراتِ الحضارية التأريخية، بنى أهله الأساطيلَ البحرية، وسلكوا مساراتٍ في البحرِ جديدة من أجل النموّ والمعرفةِ والتجارة، لا من أجل الحرب فعندما يصرخ «سعيد عقل» بأنه لبناني فينيقي زرع الحرفَ في العالم فمهما طغتْ حماسته العصبية، إلا أنها مستمدَّة من إنجازٍ تاريخي ثابت.

لم يكن اللبنانيون أهل حربٍ عبر العصور، بل كانوا أهل تجارةٍ وبقوا، ومن طبيعة التجار نبذِ الحروب، وربط العَصَباتِ، وتوثيق العلائق، ونعومة الانتماءِ كمقابلٍ للتعصبِ عند الآخرين. ولكن تاريخُهُ مليءٌ بالحروب.. إنها سخرية التاريخ.

كل حربٍ خيضت في لبنان، ولا نقول خاضَ، لأن لبنان لم يُقِمْ حرباً من قبل، ولكن كانت هناك في كل حربٍ لبنانيةٍ يدٌ من خارج لبنان.. ولن نعدّها هنا، ولكن عُدُّوا الحروبَ من القرن التاسع عشر إلى الآن، وستجدون، وبشكل بازغٍ، أن يداً خارجية هي التي تشعل الثقابَ في جذوع السَرْوِ.. لم تكن تبدأ من يدٍ لبنانية. فكلما انتهت أو قلـّتْ فاعلية اليدُ الخارجية برع اللبنانيون في إعادةِ تلاحم وتماسك لبنان، وأقاموا مناراتهم الاقتصادية والثقافية والمالية.. إلى أن تقرر يدٌ أخرى الولوج لتلطخ بالأحمر القاني اللوحةَ الجميلة. إن لبنان قُيَّضَ له أن يكون بلداً لا يزدهر ولا يؤمن إلا بالسلام، وأن يكون واقعاً من أكثر البلدان التي تضطرم بها الحروب.. لذا جاءتْ أسطورةُ طائر الفينيق الذي ينتفض من بين الرمادِ والنار ويعود كل مرةٍ ليحلق في الأعالي من جديد.

لبنان بهويتهٍ بعيدا عن الشعاراتِ العروبية أكثر بلدٍ عروبية على الإطلاق من الدول التي تعرّضتْ لمحكِّ الاستلابِ الثقافي والحضاري. لما تولت فرنسا «حماية» لبنان كانت هيمنتُها واضحة من عقودٍ تسبقُ دخول فرنسا الجزائر واستعمارها. كل دولةٍ استعمرتها فرنسا كدول المغرب العربي ودول بإفريقيا سرقت الثقافةُ الفرنسية ُ الوجهَ العام فاصطبغ فرنسيا، فتصير الفرنسية اللغة الأولى. لبنان لم يتفتتْ أمام الثقافةِ الفرنسية، بل وقف عربياً صلِدا. تعملقَ هذا البلدُ الصغيرُ بحمايةِ اللغة العربية وأعاد استنهاضها بالكامل. ومما يجب أن نحترمه في يسوعيي لبنان والآباء اليسوعيين، أنهم كانوا سدَنة للغةِ العربية، وهم من ألّف معاجمها، وطور كلماتها، ورونق ألفاظها.. وتُتلى الصلواتُ في كل بلدٍ جاءه التنصير بلغةِ المستعمِر.. إلا في لبنان والشام والعراق ومصر، بقيت الصلواتُ والترانيمُ والجوقات عند المذبح الكنسي تُتلى بالعربيةِ والسريانية.. بينما غابتْ العربيةُ بحواضر الجزائر والمغربِ وتونس في أربعينيات القرن العشرين.

لبنان تآخي رغم طوائفهِ، وبقي اللبنانيون يمررون أعمالهم بشبكةٍ محبوكةِ السمْتِ في أي أعمال يقومون بها في أمريكا وأوربا وإفريقيا والخليج العربي، تجمعهم صفةٌ واحدة: اللبنانية. ونستدعي أن «مارون إدّه»، وعائلته من أنبه العائلاتِ المارونية المسيحية، كان يعيش مع عائلة آل جنبلاط الدروز كإخوة، حتى إنه كان يصف مظهر «كمال جنبلاط» (مؤسسُ الحزب الاشتراكي اللبناني) أيام يفاعتِهِ بأنه يشبه البنات ببشرتِهِ الناعمة، وشعرهِ الناعم الطويل المُرسَل على جبهتِهِ، وحصلت مصاهراتٌ بين كبار بيوتات لبنان من مختلف الطوائف.

لبنان لا حلّ له مع أحد، ولا حلّ لأحدٍ معه.. إن كان الحلُّ هو نشدان السلامِ له يجب أن نترك اللبنانيين، تماماً وكلياً، لشأنِهم.. فهم شعبٌ يعرف أن يصنعَ بنبوغٍ مجتمعاً متفوقاً.. لبنان ملطومة بالحروبِ الداخلية دائماً، لأنها لا تشبُّ حرباً بالخارج، ولكن يأتي آخرون ويشبّون نيرانهم بالداخل.. فتخرج أشباحُ الخوف والحمائية العنصرية واللجوء لأي حامٍ كبير.. فيهانُ لبنانُ، وينزفُ أهله.

آهٍ لو كان الحلفُ جائزاً فيما يستره ضميرُ الغيب، لحلفت أنْ لو رُفِعَتْ كل الأيادي من لبنان.. لعادَ واحة وفاقٍ وسلام، ومنارة معرفة، وصُنـّاع ازدهار.