من أجل ما تريدون: احترموا الحدود!

سنة النشر : 01/02/2010 الصحيفة : الاقتصادية


.. جاء أخي ومعه هاتفي ليتلقى المكالمات والرسائل الواردة، وأنا أنتظر دوري لغرفة الأشعة بمستشفى، وهمَس في أذني، بأن هناك رسالة عاجلة، واستغربت أمريْن أولاً لمَ يخاطبني في أذني ومن حولنا لا يتكلمون العربية؟ والآخر: من وراء الرسالة؟

الرسالة تقول : «الأخ نجيب الزامل اتصل عاجلا بهذا الرقم».. على أني لم أنسَ أن أوجه السؤال لأخي هشام: لماذا همَسْتَ في أذني ولا أحد يتكلم العربية، قال: «الصوتُ العالي خرقٌ للخصوصية .. فضحكتُ: يا سلام على الذوق!

وطبيعي أني كنتُ مرتعبا ومتوجساً من الرسالة، ففجأة تقفز كل الشياطين إلى رأسك، وتتفنن في تصوير أسوأ ما قد يصل لمسامعك، خصوصا أننا لسنا في المكان ولا الظرف الذي من الممكن أن يتلقى فيه المرءُ الأنباءَ غير العاجلة والعادية بهذه الطريقة المستفِزة للاستعجال.. هاتفت الرقمَ (على حسابي، طبعا، ومن الخارج!) وإذا بصوتٍ أنثوي ببرودةٍ ميكانيكية يجيب: «أهلا، لقد حجزنا لك شاليهاً في المكان الفلاني وكل ما عليك هو..»، فكدت أخرج من طوري وأنقـَلُ للطوارئ من فرط شعورٍ جارف، لا ليس الغيظ، ولكن الإحساس بالسخافة التي تتعدى حتى أخلاقيات السخافة .. شيءٌ يوقف كل الشعر الذي على جلدك تقززا.. وضاع علي الدورُ في غرفة الأشعة!

وسائل التكنولوجيا الحديثة أفقدت معها حرارةَ التواصل، وقيمته، ومعناه، واحترامه، وأهم صفتيه: الثقة، واحترام الحدود الشخصية.. وفي الطريق أخذت معها الذائقة البدهية في الموضوع، خصوصا في الأعمال بجناح التسويق.. بل برجله العرجاء.

هل إرسال رسائل الهاتف المتكررة، أو الاتصالات المجهولة ومن غرباء تماما، أمرٌ عادي؟ أم هو أمرٌ يعني أنك صرت بلا بيت، أو في بيت بلا سقف أو بلا سور، أو سور بلا بوابات؟! أظن أن هذا شعورٌ مخيف، لأن كل إنسان يبحث عن الأمان والتفرّد والحميميةِ وهذه تكفلها صفةٌ احترَمـَتـْها كل ثقافاتِ البشر ومذاهبهم وعقائدهم؛ صفة «الخصوصية». في البريد الإلكتروني يحذرونك من الرسائل الفاسدة ( الجنك) وهذه النوعية من الرسائل التي تقتحم الخصوصية هي من النوع والفصيلة ذاته، إن لم تكن أرفع مستوى في بضاعة الفساد أو الجنك.

من له حق التصرف برقمك؟ من له الحق أن يهب رقمَك لمن يشاء؟ والأدهى، والأكثر «إجراما وتعديا»، من يبيع رقمَك في سوق نخاسة قاعدة المعلومات لغرض التسويق والترويج .. بله أن يتصل بك صوتُ ميكانيكي باردٌ أو ما يُدَرَّب عليه للتغلبِ على الحياء وعلى الذوق؟ أليست هذه قضية سرقة علنية؟ أليست قضية خرق شاهق وصريح للخصوصية؟ أليست التصرف فيما لا تملك وكأنك أنت مالكه أكثر من صاحبه؟ ثم، هل اعتدنا ذلك؟ فنحن قوم في تمام الاستسلام بمسح الرسالة، أو بكل تهذيبٍ بملاطفة ومجاملة المتكلمين والمتكلمات الميكانيكيات..

وأسأل من يشتغلون بالتسويق الميكانيكي البارد: بالله عليكم ألم تدرسوا التسويق؟ ألا تعلمون أن أول عناصر التسويق هو اكتساب الثقة، الثقة بالمنشأة التي يمثلونها، أو الخدمة، أو السلعة أو المنتج؟ أليس التسويق آلية حيوية متجددة ابتكارية توحي وتعطي الانطباعَ الأولَ والباقي للقياس على ما يُراد له البيع أو الترويج، بينما صار عملاً يخلو من الإبداع، بل من المبادرة العادية فضلا عن الذكاء والألمعية، إجراء ميكانيكي بحت.. كم مرة تصل لكل مِنـّا الرسالة نفسها؟ مرّات ومرات!

تجارةٌ بلا ثقة، سيفهمك أي تاجرٍ في أي قيصرية، بأي حفيز، بأصغر دكان، بأنها تجارة ستبور فالتقنية إن كانت ستحجب عن رجل التسويق معنى التواصل الحميمي مع الزبون، وتضع في ذهنه كل المعلومات عن البضاعة بلا استئذانه، بلا إيحاء ذوقي واحد، فإن الرسالة التي تصل إليه هكذا: «من الذي أعطاهم الحقّ باقتحام حدودي الخاصة.. ( فالحدودُ كما هي مهمة بين الدول، ومعظم الحروبِ عبر التاريخ هي حرب حدود، فالإنسان يحدد نوعية وجوده واستقلال شخصيته وحتى كرامته واعتباره باحترام مناطقه الشخصية المحرَّمة) ، أما الرسالة الثانية: «أنا لست بالنسبة لهم سوى رقم، بيان من البيانات، ومضة إلكترونية من بلايين الومضات في شريحة سيلكون.. ليس إلا!

أعرف والله أن المنافسة شرسة في عالم الأعمال، والمنافسات من أي نوع، ولكن هل ستخدم هذه الطريقة؟ أم سيقبل مشتغلو التسويق التقني الميكانيكي البارد أن يكون الرد عليهم هكذا: «أوف!» ثم تُمسح الرسالة أو تُقفل سماعةُ الهاتف؟ سموني رجعيّاً أو تقليديّاً إن شئتم؛ أدعوكم إلى التسويق بأريحيتنا المعتادة: « أنا أعرفُ فلاناً، أو.. فلانٌ يعرفني» فلها مفعولُ السحر في مجتمعنا، وتفتحُ الأبواب..

أما إن كانت الرسائل تأتيك ركلاً لحدودك، ومن بعد أن تؤذيك تُحاسَبُ عليها من مالك، فهذه مسألة أخرى، ربما وقفنا لها أمام باب هيئة الاتصالات.

والآن.. سأرسل رسالة ميكانيكية لكل متخصصٍ أكاديمي في التسويق تنص على كلمة فعلٍ واحدة» «أنقذونا!»

.. فمن يبيعني قاعدة معلوماتٍ بأسمائهم؟!