قفلُ مدارس الأندية السعودية في بريطانيا .. عضليٌ أم فكري؟ (1 من 2)

سنة النشر : 30/10/2010 الصحيفة : الاقتصادية

 

من أسبوعين وأنا منشغل، ومُشغّل..

لم يقف بريدي، ولا هاتفي، من استقبال الرسائل والمكالمات من بريطانيا، ومن الداخل، بل حتى أقربائي وكانت آخرهن عمتي .. لأن صديقة عمرها كما تبكي: سيضيعون.. تهاتفني راجيةً وأنا أكتب هذه السطور.

وكل ما وصلني من رسائل ومكالمات وحتى أصوات اللقاءات الشخصية كانت محتجة، وبعضها غاضب، والصفة العامة التحسر والفقدان.. بلا فهم ولا اقتناع لهذا الفقد المفاجئ الذي كما قال أحدهم: ''لو أن القرارَ مسّ مخصصاتنا المالية تخفيضا، أو شروط دراستنا تعقيدا لكان الأمر مؤلما، ولكن لما يكون القرارُ يمسّ أولادَنا فهو مؤلمٌ جدا، ولما يكون في هذا المسّ أننا نرى النتيجة أمام أعيننا من الآن: وهو أن أولادنا سينتهي اتصالهم بكل ما له علاقة بوطنهم الأم بل حتى بوجدانهم وطرائق تفكيرهم، أي فقدان عناصر الهوية الأولى.. فإن قواميس اللغة لا يوجد فيها كلمة تصف هذا الألم!''.

ثم إني لم أكتفِ، لأني كما أقول للناس أن علمَ الإنسان ''الإنثربولوجي'' يعلمك شيئا مهما وهو أن تجد الأعذارَ للآخرين، ودائما ما يساعدك في ذلك لينطفئ احتجاجك.. فما نراه من تصرفٍ خارج عن الذوق في بلادِنا قد يكون تصرفا في منتهى اللياقة في بلدٍ آخر.. ومن هنا يأتي التفـّهمُ والإعذارُ لانتفاء صفة نية الارتكاب الخاطئ.. وأنا أريد هنا أن أجد عذراً، أو ما يرونه – أي أصحاب القرار- عذرا حتى لو لم نقبله نحن لنتفهم أسبابَ ودواعي قرارٍ عصَف بكل سعودي مبتعثٍ ببريطانيا، بل حتى ببعض العرب، بل حتى بعض المسلمين (ووصلتني رسائل من مصريين وهنود وباكستانيين وسوريين ويمنيين)، وهذا القرارُ الإعصاري هو قفل مدارس أندية الطلاب السعودية كلها في بريطانيا بعد عقودٍ من السنين لم يرتفع صوتٌ واحدٌ بالاحتجاج حولها لا من المنتفعين بها، ولا من الدولة الحاضنة بريطانيا، ونفعَتْ عمومَ السعوديين وغيرهم في بقاء الأبناءِ على صلة بدينهم ولغتهم وهويتهم الوطنية، وهي أعزّ ما يملك أي إنسان في عناصر وجودِه .. لذا بعيداً عن حِدّة وغضب بل بكاء من اتصلوا، وبعد أن اجتمعت شخصيا مع مهتمين في الموضوع، وبعضهم جاء من بريطانيا، حيث إن هذا المقالَ لم يخرج وليدة لحظته، ولا هو كما ندعي ارتدادٌ عاطفي، أو أننا نحاول ألا يكون.. وأسأل فقط سؤالاً يحمل الرجاء، هو إما إقناع المنتفعين حتى يُمْتـَصّ هذا الاحتجاجُ الغاضبُ فلسنا في حاجةٍ إلى احتجاجات غضبٍ جديدة فعندنا الآن ما يكفينا ويزيد.. أو الرجوع في موضوع القرار، لا أقول العودة عنه - ويا ليت ذلك يتم ليدل على شجاعة رأيٍ ونُبْل - ولكن بأقل التوقعاتِ إعادة التفكير بعد قراءات ردود الأفعال من الذين تقع عليهم الخدمة.. وإن لم يكونوا هم العنصر المهم.. فمن إذن؟

لذا سيكون تحليل الموضوع - كي لا أقول نقده أو انتقاده - هو بشقين: الظرفي، والموضوعي:

*الظرفي:

هذه المدارس في الأندية نشطت وكبرت حتى باتت معْلـَما في الجزر البريطانية، بل رسالة جميلة لرأيٍ عام متطور، فبعض المدارس في بعض المدن وجدت مساندة وتبرعات وخدمات من إدارات المدن.. كما سجلت حضورا جميلا لبلادنا – نحتاج إليه الآن أكثر من أي وقت مضى - بين جموع دوائر المسلمين في تلك البلاد أكانوا من المقيمين في بريطانيا، أو من المسلمين الذين يحملون الجنسية البريطانية، وحيث إن النظرية الظرفية وهي معاكسة للنظرية الموضوعية لا تستلزم المفاجأة أبدا، ولكن تكون نتائج لأحداثٍ ظرفيةٍ متباعدة أو متباعدة ثم يجد صاحب القرار في المسار الظرفي الزمني تكرر ما يوجب اتخاذ قرار حاد ونهائي فهنا يكون الأمرُ قابلاً للقياس المنطقي من واقع الرؤية الظرفية، وهي هنا من أسهل الأمور إقناعا على الإطلاق لأن الأحداث (الظروف) الواقعية هي التي تدل وتثبت وترافع عن نفسها بنفسها فلا يكون لمحتجٍّ من دليل، أو شجب أو اعتراض، وإن حصل فالدليل الظرفي أقوى من أي دليل، ويعرف ذلك جيدا من يدرس القانونَ الجنائي، بل حتى القياس المنطقي العام. فإذا كان إقفالُ هذه المدارس لظروفٍ مقنعة تكررت وشكلت خطرا بأي شكل كان، بوضوح صفة الظرف والوقوع والنتيجة، فكان يجب شرحها، مع أن المسألة الظرفية في كثير من الأحيان لا تحتاج شرحاً لأنها تكون ماثلة للعيان في كل نقطة على خط مسارها التاريخي.. وإن لم يكن، فالظرفُ هنا بطبيعته العادلة يقوم ضد القرار بطبيعته الآمِرة، ولو صح ذلك فهذا ما يسمى عسْفا للظروف ، أي اتخاذ قرار بلا مبرر ولا داع، لأنه لم تقم له وقائع ودلائل الظروف المسوِّغة للقرار. ولا يرضى صاحبُ قرار في الدنيا أن يوصم بأنه لا يؤمن بظروف الواقع التي هي المُشـَكـِّلة لطبائع إيقاع الحياة البشرية في كل مجالاتها.. ومن يقف ضد التيار الإنساني الطبيعي لا يُعد من الصالحين. ونربأ بأصحاب قرار قفل المدارس بأن يكونوا كذلك، لذا فنحن لهم مصغون إن لم يريدوا سحب أو تعديل أو التفكير في القرار.

ونكمل معكم يوم الإثنين القادم الجناح الموضوعي..