سنة النشر : 31/10/2010 الصحيفة : الاقتصادية
ناقشنا في المقال السابق الشـِّقَّ الظرفي في قفل مدارس الأندية السعودية في بريطانيا، والآن:
* الموضوعي:
قالوا، إنها مراكز لا مدارس.. (طيب) هل تم اكتشاف ذلك فجأة بعد ثلاثين عاما، ومن الدعم الحكومي المستمر؟ كيف؟ ثم من قال إنها فقط وجدت للتعليم المدرسي فقط، الجميع يصرخ بأنها تتعلق بشيء أهم وهو الارتباط بالهوية بأهم عناصرها من الدين (والدليل الموضوعي الشاهق انضمام غير السعوديين، فهل هم أيضا يريدون إلحاق أولادهم بالمدارس السعودية؟!).. إذن هناك سبب مهم غير السبب الدراسي الانتظامي الصِّرف.
ومن ناحيةٍ موضوعية بحتة هل نشر صاحب القرار طريقة المعادلة في الشهادة البريطانية المدرسية مع المدرسية السعودية، من تحاورت معهم وأنا لا أعلم عن قياسٍ دقيقٍ في الموضوع، ولو كنت مسؤولا في المعادلات وجاءني طالبٌ من بريطانيا لم يدرس إلا بالإنجليزية، وبمناهج مختلفة خصوصا في الدراسات الدينية، فأنا أعلن أني لن أرضى أن أقبل شهادته في مستواه.. مستحيل موضوعيا، حتى لو أردت. ولنفرض أن هناك أسبابا موضوعية مع أن كل الأسباب المعلنة، حسب علمنا للنظرية الموضوعية بالقياس المنطقي قبل التخصص المعرفي، لا تؤيد القرار لقفل المدارس فهل من الموضوعية المنطقية أن يكون فقط مركزان في القارة هما من لهما السلطة القانونية لتمثيل المنهج الدراسي السعودي، كيف للطالب المبتَعث المحدود الموارد والوقت والجهد - فوق إرادته - أن يتنقل من كل مدينةٍ على الخريطة البريطانية لتلك المراكز.. والله يرحم جدتي رقية القصيمية التي تقول بلهجتها بحكمة العقل الموضوعي السليم: “وشو له تضيقون اللي وسُّعُه ربِّي؟”.. تصور أن جدتي لو رأتْ أنه تمّ قفل ثلاثين مركزا يتزاحم عليها الطلابُ ثم يأتي الحلّ باختزالها إلى مركز أو مركزين فهذا سيتعدى أقصى تصوراتها في مسألة التضييق، يرحمها الله وآباءكم وأمهاتكم.. وأنا أقول ذلك بمنتهى الموضوعية.
ثم إن اللهَ وضع العقل فينا لسبب مهم.. فاللهُ لم يضعه في جماجمنا كي نعدّ ونحصي المشاكل، بل إنه وضعه كآلة تفكير وكآلة خلاص لذا جعل له الظرف سببا والموضوعَ تبصُرا.. فدور العقل هو حصر المشاكل وتشخيصها ثم حلها وتجاوزها لواقع ظرفي وموضوعي أفضل.. ومن أسهل الحلول التي لا تدور فيها تروس آلة العقل هي القطع أو البتر النهائيَيْن فهذان لا يحتاجان إلى تفكير، أقلّ الحلول احتياجا للتفكير هو أن تسد طريقا سالكا بدل أن تعيد رسم خريطته، لأن إعادة رسم الخريطة هذا تتطلب إعْمَالاً للذهن، واستشراف العواقب والنتائج والتبعات للقياس بأصل دوافع القرار قبل حتى إنفاذ القرار. ومن هنا وبعد تحليلنا من زاوية فهمي للموضوعية والظرفية معا، لا أستطيع أن أرى أن قفل المدارس هي إعمالٌ فكري، أي ليست قرارا فكريا، ولا يمكن أن يكون القرارُ قراراً ماضياً وصائباً بلا إعمال عقلي.. يستحيل هذا. لا أريد أن أصدق وليس من المعقول ألا تكون هناك عقولٌ مفكـِّرة في الوزارة المختصة، ولا يجوز لي ولا لغيري أن يرمي بهذه التهمة، ونظن أنهم أهل حصافة عقلية وإلاّ لما وصلوا لِمَا وصلوا إليه.. هذا ما يقوله لنا العقلُ المنطقي.. وأرجو ألا يعززوا رأياً مناقضا!
ألم تستطع تلك العقول، إن كانت هناك ملاحظات واضحة على أداء تلك المدارس، وأنهم أعلم من كل تلك المئات من الأسر في صالح أبنائهم، أن تجد حلولا بدل اتخاذ القرار الأسهل في البتر والقطع؟ وليعرف الجميع أن اتخاذ قرار الإنهاء التام بدل إيجاد الحلول والاستفادة من القائم، هي مسألة عضلية بحتة وليست مسألة عقلية بحتة!
ولكني أضع كل ظني الحسَن المبني على معرفة شخصية وقريبة في العقول التي تدير التعليمَ في بلادنا، وهنا كمواطن أمثل رأيَ مئات المواطنين، وأخاطب مسؤولين مواطنين يهم أمر أهلهم المواطنين.. ألا يستحق المبتعثون النظر في رأيهم؟ في ظروفهم؟ حتى في عواطفهم. ألا يستحقون أن يقدروا وأن يوضع لهم اعتبار؟.. ألا تستحقون أنتم؟ بلى، أنتم يا صناع القرار تستحقون، وهم، وأبناؤهم - وأبناؤكم - يستحقون.
أهمّ شيءٍ هو ألا يأتي يومٌ نندم جميعا ليس فقط الطلبة المبتعثون، بل حتى من قاموا على تنفيذ القرار، نكون فيه من النادمين أننا أطفأنا بأفواهنا شموعاً سعودية صغيرة كانت تتلألأ إشعاعا في الجزر البريطانية..
ولقد تركنا فسحة سهلة للآخرين، تقدمت على الأقل دولة عربية واحدة حتى الآن وطلبت ضم أبناءَ وبنات السعوديين لمراكزهم..
من ترك البابَ مُشـْرَعا فلا يلومَنَّ دخول من لم يُدْعَوا للدخول!