سنة النشر : 13/12/2010 الصحيفة : الاقتصادية
.. هذا الرجلُ الخائف المتردد الموهوم، غيّرَ العالمَ بشجاعةٍ منقطعةِ النظير.
هذا الشابُ الأسترالي الشاحب البشرة المتطلع دوما إلى الأعلى وكأنه يبحث عن سر، أو برقية آتية عبر السماء، ضرب الرعبَ في قلوب المتنفـِّذين في العالم، وأصحاب العلاقات المباشرة وغير المباشرة مع الولايات المتحدة الأمريكية. وكما انفضحت أرقامُ الحسابات السرية المشينة في بنوك سويسرا التي فيها تجمعت مليارات الدولارات من دماء الشعوب، جاء "ويكي - ليكس" ليعلن للعالم أن خزانة الأسرار صارت أسطورةً من الأساطير..
هذا الشابُ الزائغُ المصابُ بهلع المطاردة المتنقل عبر القارات ليسكن في الحارات ومنازل معارف بعيدين وقريبين وكأنه لاجئ قارِّي.. ربما رغما عنه، أو بإرادته، أصلح سياسة العالم وسياسييها، بدءا من وكالة المخابرات الأمريكية وأقبية الأجهزة السياسية الأمريكية المتعاملة مع العالم، ليس في السياسة فقط، بل في التجسس، وفي الاقتصاد، وفي لي القوانين، وفي صُنع الزعماء الموالين، وفي تمرير الصفقات، وفي الاختراعات والعلوم، وفي مداهنات تحتية بين الحكومات وشركات أمريكا التي تتحكم في العالم. هذا الشاب الذي وصفه طبيبٌ نفسي بأنه من عباقرة الأرض، ومخططيها الكبار، ومن مرضاها النفسيين بالارتياب بامتياز.. إنه رجل ستذكره الأجيالُ كأسطورةِ بطولة، وسيذكره فاسدو الصفقات الخفية، مثل الشبح الذي يحمل منجلَ الموت..
لذا كان لابد أن يُوقف، ولو بطريقة استخبارات دولة تتعلم لتوها سذاجة العمل المخابراتي التآمري.. قد يكون صاحب "الويكي - ليكس" قد ارتكب جُرما فضائحيا في السويد، ولكن ما هذه المصادفة أن تصدر بحقه أوروبا أمر قبض في بريطانيا.. الآن؟! حتى لو كان حقيقة لكانت هناك ألف طريقةٍ أذكى من إذكاء شكٍّ كبير عبر القارات والمحيطات.. تقريبا لم يصدق القصة أحد! ولاحظ العالمُ كيف سارت مظاهراتٌ، واحتجاجات في لندن ضد القبض على الرجل الذي شغل الكرة الأرضية لعشرة أيام غيّر فيها تركيبة أنثروبولوجية فضح وتناقل الأسرار، وربما إلى الأبد. إن لم تكن التهمة إلا إلصاقاً، فهي خامُ سذاجةٍ تفصح عن نفسِها بسطوع.
الأربعاء الماضي ظهر شبحٌ طويل القامة ونحيف، متوجٌ بشعر فضي لامع ومنفوش مثل حقل قَشٍّ محصودٍ غطاه جليد، ثم أبان النورُ عن "جوليان أسانج" الذي شغل العالم، وطرد النومَ من قلوب كبار مستريبي الأرض.. معه حراسة، وكان يضرب الأرض بثقةٍ، مما فاجأ أقرب من عرف جوليان الذي قليلا ما يمشي مرفوعَ الرأس، واثق الخطوة، معتـدا.. تعودوا عليه بسيكولوجية المُطارَد المتلفت المرتاب، رأسه إلى الخلف دائما مهما تقدم للأمام خوفا من مطارد قد يقضي على حياته بلحظة. في المحكمة كان رجلا آخر.. وظهر بروح الفكاهة الذكية الشجاعة، فحين سأله القاضي تمهيدا للمحاكمة عن عنوانه الشخصي، أجاب بداهة: "هل تريده من أجلك شخصيا لمراسلتي"؟ قبل أن يحتدم غضبُ القاضي، أعطاه جوليان العنوان: "177، شارع جانثام ستريت، باركفيل، فكتوريا، أستراليا".
هذا الرجلُ الذي لتوه لم يطرق باب الأربعين وضع كل الدنيا في دوامة ترقب، تسربت عشراتُ آلاف البرقيات الأمريكية، ووصلت بطريقة ما لهذا الرجل، الذي كان يعمل في الغرض الاجتماعي السياسي العام، ولكن ضربته التاريخية والكونية هي لمّا صار فاضِح الأسرار الأول، ربما في كل التاريخ. إنه حامل النفير الذي يدعو العالم ليجتمع ويبصر ويرى ويعتبر، ليرى سكانُ هذا الكوكب ما كان خفيا مستعصيا عليهم وكأن مذهباً باطنيا كونيا كان يتحكم في مصائر البشر، ثم جاء هذا الأسترالي وحيدا ومعه معول تحطيم الأصنام، ولم نكن نعلم بوجودها، أو نعلم ولا ندري ما هي، ولا ما هويتها، ولا ما شكلها، ولا كيف حتى تُقدس.. سقط الهيكل السري العالمي على رؤوس مَن أقامه وحدهم هذه المرة، ولم يكرر خطأ شمشون الجبار في إسقاط الهيكل عليه وعلى أعدائه. إنه نوع من "روبن هود" تكنولوجي دولي يسرق من الأقوياء أسرار ما يتآمرون بهِ على الضعفاء.. لذا حقق هذا الشاب شعبية أكبر من قارة كاملة بحجم أستراليا، وملحقاتها.
ظهرت في المحكمة شخصيات عدلية اجتماعية مشهورة مثل: "جميمة خان"، ومنتج الأفلام "كين لوتش"، والمؤلف الشهير "جون بلجر" وعرض كل منهم مبلغ " 20 ألف جنيه استرليني" مقابل كفالة إطلاق سراحه.. هم لا يعرفونه شخصيا ولم يسبق أن التقوه.
إنهم فقط يعجبون ويساندون "روبن هود" الأسرار الأرضية الذي نشر حتى الآن ربع مليون برقية سفارات أمريكية في أقل من عشرة أيام.. والحبلُ على الغارب. حيث إنّ "لوتش" يصرح: " إني أعرف سمعة الرجل.. ولأننا نستحق أن نعلم عن الصفقات التي يبرمها من يحكموننا!"، أما الكاتب حاصد الجوائز، فيبدي غضبا أكبر: "إني أحترم الرجل، والتهمة السويدية لا تعدو أن تكون مجرد تصرف أخرق!"
هل سيفضح "جوليان" العدالة الغربية أمام العالم أيضا؟ سنرى.