الدكتاتور، وفصُّ الخبـَال

سنة النشر : 22/01/2011 الصحيفة : الاقتصادية


.. لم أضحك علنا كما ضحكتُ وأنا أتكلم عن فصوص الدماغ ووظائفها عند ''مجموعة الإعلام الجديد'' في جدة، وصلنا إلى الفص الجبهوي ما قبل الأمامي، والذي أسميناه منطقة العاطفة المنطلقة، أي بلا روية ولا حكمة، ثم تكلمنا عن الفص الجبهوي الأمامي، وشرحنا أنه المختص بربط وحش العاطفة المنطلق، أو كابح العربة المنطلقة برعونة.. حين طلبتُ أن يُسْقـَط ذلك على الواقع السلوكي الإنساني قالت فتاةٌ من المستمعات: ''يبدو أن بعض الزعماء الذي نرى ونسمع عنهم ما يخزي ويضحك في آن ليس لديهم إلا فص واحد .. وقالتها باللهجةِ الجداوية المرحة: ''دول ما فيهم إلا فص الخُبـَال.. الأوّل ترا مش التاني!''.

على أن الشابة كانت بالفعل حكيمة، وصوّرتْ بطريقتها العقلية السياسية الدكتاتورية كأعظم المحللين إن لم يكن أكثر، إن البرانويا التي يخلقها الزعيم الدكتاتور من حوله إنما هي توليهات الدماغ بفِصه المشاغب الطماع الأعمى، فتنتهي الحكمة، وتضيع الطينة الأولى، أو الخامة الإحساسية الإنسانية لدى الدكتاتور ويُعمَى تماما، ويصبح وحشا خاليا من الحكمة، وفارغاً من أوليات التفكير المنطقي البسيط..

إن أبسط الحقائق تقول: الفساد أول عنصر يقود على كراهية الجماهير، وعندما تغضب الجماهير تثور، وعندما تثور تطير الرؤوسُ، وأولُ رأسٍ يطير هو رأسُ الدكتاتور.. ولكنهم لا يرعوون ولا يتعظون، ودوما يتهيئون أنهم أكثر حصانة، وأعظم قوة.. بل أكثر خلودا.

ومن أبسط الحقائق تقول: لا تبطش بالناس، خصوصا في عقائدهم والتي يثبت علم أتثربولوجي الأديان أن البشرَ يقدّمون فيها أرواحهم طواعية قبل كل شيء، والمُثُل شاهدة.. ولا حتى الصدام العنيف مع ذائقة الناس. ثم فجأة لما يحرقون أنفسهم ويتدافعون للموت يتعجب الدكتاتور، وهو يرى مشاهدَ الموت، تبدأ مفاصلة برعشة الذعر والخوف والقماءة والجبن، فيكون مثل فئران السفن هي أول من تهرب قبل الغرق..

من أبسط الحقائق أن التاريخَ معلمٌ كبير، ولكن الدكتاتور يرى التاريخَ القريب جدا وكيف تكون سقطاتُ الدكتاتور من أشنع السقطات، وهو لا يعتبر، بل..لا .. دروسٌ تكون في الحاضر، ربما جاره الدكتاتور ولا يستطيع أبدا أن يفهم الدرس، وربما يرتكب جنوحا أكبر ويخرج علنا على الفضاء، ويلوم الناس.. يلومهم لأنهم كانوا يجب أن يصبروا على طعنات الجوع، لأنه لا يعرف لها معنى، ويجب أن يصبروا على الانسحاق التام لإنسانيتهم، وهو لا يعرف الانسحاق لأنه تعود أن يسحَقَ فقط.. وتتعجب كيف يشتغل هذا الفصُّ، فص الخُبَال، إلا أنه حقا فص خبال!

من أبسط حقائق أن من عنده لا شيء، مستعد أن يعمل أي شيء.. لماذا؟ لأن ليس لديه ما يخسره أصلا، بل انخراطه في أي معركة ولو كان علـَمُها الموت الأكيد، ويعرفها السيكولوجيون برغبة الإضافة حتى الموت، لأن البقاء على الحياة بلا شيء ليس هو الموت، بل أشد منه.. بالله عليكم كيف تدسّ هذه المعلومة في رأس دكتاتور؟!

ضحك العالم وحتى الدكتاتوريون على ''ماري أنطوانيت'' لما ثار الفرنسيون جوعا، وقالت لهم أن يأكلوا الكعك إن لم يجدوا الخبز.. ولكنها كانت في منتهى البراءة، وفي منتهى الانقطاع عن حال الناس في الواقع.. الدكتاتوريون يملكون هذا الغباءَ الإنطوانيتي، ولكن لا يملكون أبدا عفوية البراءة الإنطوانيتية.. بضاعتهم غباء مع وحشية وولع سادي بالولـَغِ في الدماء.. دماء البشر.

من أكبر غباء للدكتاتور أنه ينسى تماما الناس، أو ينسى أنهم حبال من أعصابٍ تشعر وتتألم وتغضب وتثور، وتثور حتى الموت.. لتكون تلك الحبال مشنقته أو ما تلهب ظهره وهو في فزع الهرب..

الدكتاتور يرى كيف يكرر الدكتاتوريون أنفسَهم حتى ينتهي بهم الظلمُ الساحق للسقوط المريع المدَوي، ثم تراه يمشي ذات الطريق تماما بالفرجار والمسطرة.. يا إلهي كيف يصل الغباءُ إلى التهلكة؟!

الدكتاتور ينسى أن الوطنَ لأهل الوطن وليس له ولا لزوجه ولا أولاده.. وكل مرةٍ هذا يصير، وكل مرة تثور الجموع تريد لوطنها استرداداً.. والوطنُ لا يُستـَرد إلا إن رحل من سرق الوطن من أهله!

الله.. الله .. لو يقوم دكتاتور وهو في منفى بمراجعة جهاز صدأ داخله من قديم، وهو الضمير، ويقف وراء الميكرفون ويقول للدكتاتوريين زملائه ويسميهم، محذراً: ''يا أصدقائي انتبهوا، خذوا مني العبرة..'' ولا أظن إلا أننا سنسمع قهقهات بقيتهم!

ما العمل في فصّ الخُبال هذا.. الله يمسيك بالخير يا بنت جدة!