الشعب يريد ..

سنة النشر : 19/02/2011 الصحيفة : الاقتصادية

 

.. الشعبُ يريد أن يعيش لا، فقط، أن يحيا.

تجاوبت في الأقطار العربية التي تنتفض الأرض فيها الآن هذه الصرخاتُ التي خرجت من ثقافة المطالبات الشعبية من ميدان التحرير.. ''الشعبُ يريد..''

''كُل'' الحقيقة أن ''كُل'' ما في الأمر أن الواحدَ من الشعب يريد أن يعيش بكرامةٍ، بحريةٍ مكفولةٍ، وبرزق يضع الوجباتِ على مائدة عائلته ثلاث مرات في اليوم، يريد سقفاً يقيه وأهله ويحميه.. يريد تطبيبا وتعليما. ويريد أن يتحسّس قيمتَه الإنسانية، يريد أن يُحتـَرَم.. يريد الحقوقَ الأساسية لا أكثر. هذا كل ما يريده الناس.. هل هذا كثير؟!

لو كان متاحاً ذاك لما قام إنسانٌ واحدٌ وترك أهلـَه ومكانه ونام على الأسفلت تحت السماء وهدير الدبابات وفزَع الغد. لو كان ذاك متاحاً لما تكرر هذا المشهدُ حتى صار متوقـَّعا، إن لم يكن مبذولا، وهو أن يقف من على رأس النظام ويقول: ''سأُعطي مالاً أكثر، سأهب حريةً أوسع، سأوقف كل فساد وجريمة وسرقة من جيب وعرق ودم الناس..''، يعني أنه كان إذن يفعل عكس ذلك، وإلا لما وقف أمام كل العالم ليعلن أنه سيفعل. ويعني أنه كان قادراً على الإصلاح ولم يفعل، بدليل أنه في وقت الشدة والخوف وأمام زئير غضب الملايين اعترف بأنه قادر. وكل مرّة .. لاتَ يوم مندَم. يأتي الندمُ متأخرا، أو أنه يأتي خاطئاً، لأنه لم يأت تكفيراً لذنبه وهو على رأس الحكم، وإنما قاله خوفا من هدير الغضب، لا رهبة من فظاعة الجُرم.

وكنت أقول أول سقوط ''زين العابدين''، في مقال خرج هنا بعنوان ''الديكتاتور'' إن الديكتاتورَ لا يتعظ من دروس التاريخ البعيدة والقريبة، بل إنه حتى لا يرى الدرسَ وهو يحصل أمامه، ولا يستوعب والمجريات تتصاعد متشابهة طبق الأصل، كنسخةِ نزع ولصق.. وعجيبٌ أن يضيق العقلُ والرؤية، ولكن عقل الديكتاتور طرفياته العصبية موصلة مع عقول منافقيه وأزلامه ومنتفعي نظامه، وأجهزة إعلامه، والنفاق والكذب في أقوى مشاهده، وأعمق تأثيراته.. فلا يفقه مما يحصل لغيره من المتسلطين المتساقطين، لأنه لا يرى نفسه متسلـِّطا، بل يؤمن أنه نسيج وحده، مخلوق فوق البشر، مبجّل من الناس، وتحرسه طاقاتٌ من الإشعاع الساحر الذي يبثه على الملايين فيظن أنهم يرونه أكبر من الحياة. قد يكون هذا من صنعه، قد يكون من صنع دائرته الضيقة المُحكِمة الأقفال حوله.. ولكن لا شك أنها خطيئته، لا شك أنه ذنبه، لا شك أنه سيُحاسَب عليه، وسيكون حساباً عسيرا.

الآن، فرصة كبرى يقدمها لنا التاريخُ شاهقة الوضوح؛ سقط زين العابدين، ولم يتحمل قلبه هذا السقوط، وأزيح مبارك ولن تتحمل صحته تلك الإزاحة. من الآن الالتفات للناس شيءٌ يحمل معنى المصير، لا أقول أبدا إن المسؤولين ببلادنا وبلدان الخليج لم يلتفتوا لناسهم، الآن يجب أن يكون الالتفاتُ أكثر، وأسرع.. لنكن متفائلين ونقول إنه متاح جدا وقت الوقاية، فمن مِن شعبنا يريد تغييرا في طبيعة الحكم: لا أحد. من لا يريد تغييرا للأفضل؟ للأنسب؟ لفرص متاحة أكثر لأن يعيش كل فرد يومه كريما وينام مطمئنا لغده وغد أولاده؟ من لا يريد عدلاً أكثر؟ من لا يريد محاربة جادة وصريحة ونهائية للفساد؟ كلنا، كلنا نريد.

بالذات الشباب، ونكرر ولن نملّ التكرار، الشباب. فالشبابُ ليسوا معنيّين بالماضي قط، وبما صار في سالف الأيام، ولا ماذا عُمِل بالماضي، إنهم لا يرون إلا المستقبل، ولي أن أقول شيئا جديدا وثبت بالواقع هنا: فعلى عكس عقل الدكتاتور الذي لا يعي الواقعَ حوله، فالشبابُ عقولهم كلها لاقطات حسّية متحفزة وفي أقصى يقظتها، وهم يتعادون من واقعهم سريعا، لذا رأينا تتابع تساقط الأنظمة كأحجار الدومينو، لأن الشبابَ يعون على بعضهم جيدا، ويستنسخون بعضهم أكثر مما تستنسخ الخلايا أنفسَها.. ومن عين هذا الواقع طارت في سماوات البلاد العربية صرخة موحدة تقول: ''الشعبُ يريد..''

وشبابُنا واع، هم مستعدون للمشاركة، ومستعدون لطرح الحلول. في الأمس فقط كنت أجلس مع رجال أعمالٍ شباب، ورأيت حبا وخوفا على الوطن وعلى شبيبته، وآراؤهم جادة، فالشباب لا يعِدون بل هم يفعلون، لأنهم يملكون عاملـَيْن: الوقتُ والطاقة. ودليل الوعي أن المطالبة إنما في الإصلاح في تطوير آلية الحلول وتفعيل الخطط..

وأثق بالله أنه سيخرج بإذنه البحرين الحبيبة من مأزقها العابر، ما دامت حركة المطالبة تريد الإصلاح، والحكومة تريد الإصلاح، ومضت فيه بالماضي، وستزيد تسارعه في الحاضر والمستقبل.

اللهم احقن دماءَ شعوبنا، اللهم اجعلنا جميعا نتلمّس الواقعَ ونشمّه ونلتصق به، لنبدأ للعمل لواقع أفضل.

نعم، كل ما يريد الناس، جرعاتٌ صادقةٌ أكثر من الواقع!