سنة النشر : 20/06/2011 الصحيفة : الاقتصادية
.. كنا متجهين، صديقي أحمد فتحي وأنا، إلى مقر جامعة الدول العربية لحضور اجتماع الاتحاد العربي للأعمال التطوعية، في قاعة الاجتماعات الكبرى في مقر الجامعة.. وفضلنا أن نركن السيارة في موقف قريب لميدان التحرير ونكمل سيراً. كان الجابي على البوابة رجلاً عجوزاً منهكاً وفي مشيته عرج واضح، ومن هيئته ستعرف أن الزمنَ لم يربِّت يوما على كتفه، ومشى أمامنا بخببٍ مائل ليدلنا على مكان مناسب.. نزل رجلٌ مصري لطيف من سيارته بجانبنا ونادى الجابي العجوز لينفحه شيئاً، وقال له: دانت ومصر صعبانين عليّا؟ فرد الجابي فوراً وبابتسامة صبغت المشهد بألوان التفاؤل: ''لأه مصر بخير .. مصر مش صعبانه عليا. بس ربنا يخلصنا من مسيحيين الغرب مش المسيحيين بتوعنا''.
كنت في قاعة الاجتماع أستمع لنائب رئيس الوزراء ''د. يحيى الجمل'' الذي ارتجل خطبةً رائعة، وتكلم عن دافعين جاءا به للمكان، هما انتماؤه القوي للأمة العربية، وحبه الشخصي وإيمانه بالعمل التطوعي.. ورأيت أن روحَ مصر تجلت في رجلين عظيمين، الجابي العجوز، وثاني أكبر رأس حاكم في مصر. هذه هي الروح المصرية، وتنفست الصعداء..
ولكن لِمَ القلبُ والعقلُ مشغولان؟
برأيي، مصر لم يرتفع عنها تهديدٌ خارجي، والذي أيقظ بي هذا الخوفَ الجابي العجوز لما قال إن مصر لا خوف عليها من أبنائها المسيحيين والمسلمين، ولكن من مسيحيي الغرب؟ جملة دوّت في جدران عقلي ووديان وجودي.. وذُهلت. يبدو أن الرجلَ أطلق نبوءةً عميقة، أو استنتاجاً حكيماً لم يدل عليه شقاؤه وعمله المضني.
أمريكا والغرب لابد أن يهتما بمصر، أولاً لسبب مصيري عندما نعلم أن أكثر من 30 في المائة من نفط العالم الذاهب لأوروبا وأمريكا يمر عبر قناة السويس، فهي بالفعل إذن شريان حياة.. والبترول عديل الروح بالغرب.. وغيره. ومن ناحية أخرى تدفع الولايات المتحدة بليوني دولار سنويا (وللسخرية أن معظمها كان صفقات أسلحة) لمصر من أجل الحفاظ على حالة ''السلام مع إسرائيل''. والبليونا دولار إذن وغيرها من المساعدات الأوروبية التي تصل بأكثر من طريقة لم تكن للعيون المصرية الشهيرة بسوادها وطول رموشها.
على أن هناك ما زال شيء يمغص عقلي: ''مسيحية الغرب؟ معقول؟ لماذا؟'' ولما استعرضت ما قرأت في كتب دينية مسيحية، ومنها الأناجيل المعروفة، استغربت كيف فاتت عليّ معلوماتٌ مخزنة في رأسي، وبقيت بضاعة راكدة على أرفف الدماغ لا تدور ولا تُستخدم حتى تناولها وحركها الجابي العجوز..
قرأت في كتاب ''التنبؤات الإنجيلية Biblical Prophecies'' أن الدافع الرئيس لنابليون لغزو مصر بالذات دون دول كثيرة، وخصوصا أنه استبق حلمه في السيطرة على كل ممالك أوروبا لتحقيق نبوءة الإنجيل بأن فاتح مصر سيكون له المجد السماوي الأعلى.. ثم إن ''كرامر'' المسيحي الإنجليزي هو الذي كان يصر على أمة الإنجليز لغزو مصر، وكان يقول إن جوهرة إمبراطورية بريطانيا ليست الهند بل مصر، لأن الربّ وعدنا في الإنجيل بأن مصر بوابات المجد المقدس لمملكة السماء.. ونعرف اهتمام إدارة بوش بجناحها الديني القوي بمصر، وآن لنا أن نعرف أن هناك إرساليات نشطة من ألمانيا، وفرنسا، وأمريكا، وبريطانيا، في سبيل نشر فكر مسيحي بعيد عن الفكر المسيحي الشرقي القبطي الأرثوذكسي.. فالأقباط مولعون بمصر لكونهم مصريين أقباطا.. ربما كانت القوى المسيحية بأقنعةٍ سياسةٍ واقتصاديةٍ هي التي تود أن تجري تغييراً لمصلحتها في مصر.
بدأت ثورة الياسمين في الخامس عشر من يناير ضد الحكم الفردي العائلي لزين العابدين، ثم تحركت إرهاصات من الجزائر إلى اليمن.. إلا أن ما حدث في مصر وفي ميدان التحرير هو الذي سمَّرَ عيونُ الغرب والعالم.. كما كان همّ الدوائر المسيحية الكبرى ذات السلطة والتأثير. وقد تعجب عندما تعلم أن كلمة ''مصر'' وردت في الإنجيل أكثر من 600 مرة. أي مسيحيٍّ مخلص ومؤمن ستدفعه النصوصُ الإنجيلية للتعلق الاستحواذي على مصر بالنتيجة الثيولوجية الدينية.. انظر إلى النص الذي ورد في إنجيل ''دانيال'' – بترجمتي-: ''.. إلا أن ملكا في الشمال سيغزو مدافعاً بعرباته، وجحافله، وسفينِهِ، ويدخل مظفراً بمجد السماء لأرض الربّ مصر''.
وفي إنجيل ''ماثيو'' في جزء الإفصاح Revelation، ورد هذا النصُّ -بترجمتي-: ''ثم يأتي يسوع الناصري لينقذ البشرية من دمارها لذاتها، وسيتوّج ملكاً على كل الأمم.. ومصر!'' بل إن إسرائيل في اتصالاتها بالقنوات المسيحية ذات التأثير ترتكز على نصٍّ ورد في ''سفر أشعيا''- بترجمتي: ''وحدة مقدسةٌ، بشرى للسلام، بين أشوريا ومصر وإسرائيل، ثلاث أممٍ بأمة واحدة!''.
إكمالاً لما قاله العجوز المصري الحكيم، على العرب والمسلمين أن يعتنوا الآن أكثر من أي وقت مضي بالشأن المصري، لأن ما يدخل لنا عن طريق مصر يكون موجة من الصعب صدها، بأن ندعمها أكثر من الغرب''.
ومصر تنجو بفضل الله كل مرة.. وأنا مصر مش صعبانه عليا.