ليت أني ما رأيت وأتمنى ألا أرى

سنة النشر : 22/07/2011 الصحيفة : الاقتصادية

 

*أهلا بكم في مقتطفات جمعة استثنائية، بقطع انقطاع مؤقت.. بلا رقم.. بلا ترتيب. مقطوعة من ألم وأمل.

***

* في زمن الحرب الفيتنامية دارت في العالم صورةٌ أبكت سكانَ الأرض، طفلةٌ في الخامسة من عمرها تجري بهلع النفير وظهرها يشتعل نارًا.. يقال إن تلك الصورة هي التي أبكت "نيكسون" صاحب القلب الحجر، وكانت من أسباب وضع حدٍّ لحرب فيتنام المأساوية العبثية.

***

* هناك صورة أخرى، لا لم تلتقطها صورة، التقطتها عيني.. ووقعت حادة على نصلها القاطع في قلبي.. وبقيت الصورةُ، وبقي القطعُ.. واختفى الموضوع.

***

* هه.. أقول الموضوع؟! طبعًا هذا ما يقوله شخص بعيد عن المعاناة التي لا يمكن أن تصفها كلمة بكل اللغات منذ اخترعت اللغات.. الموضوع؟ يا لعبثي أنا.. ألم أجد كلمة أنسب منها؟! في اللحظة ضاعت لغتي، وهزلتْ تعابيري، وانتحر ذوقي، وتفجر شيءٌ في جسدي، لم أكن أعتقد أن ديناميتًا مزروعًا بجهازي العصبي بهذه القوة الانفجارية.. تابعت الطفلَ "خيرو أحمد" وهو يموت رغم محاولات الإنقاذ، محاولات مستحيلة بعد أن سكن الهولُ عينَي الفتي الصغير، تُقرأ في عينيه قصتين: قصة العذاب، وقصة الموت بالتدريج.. هولٌ لا يمكن لعقلٍ - كما يقول خبراءُ التخيل العصبي - أن يتخيل مدى فظاعتهما.. وذلك الصغير عاشهما، إن كانت صفة "عيش" مناسبة! يا لتفاهة الحروف أمام هول الروع، وفزع الموت الذي رحل مع ضحيته..

***

* إنه "خيرو" الطفل الذي سماه والداه طمعًا في الخير أو شيئًا منه، ولكن من ولادته قبل ست سنوات لم يعرف أي معنى لأي خير على الإطلاق.. إلا ضحكات نساها وأمه تبكي يوم ولد.. مات "خيرو" بعد أن فقد جهازه الدماغي إرسال حتى ومضات الألم، وانشق جلدَه عميقًا من تحت عينيه.. واكتشف الأطباء بعد موتٍ أنه كان أعمى منذ أكثر من أسبوع لفقدانٍ تام لفيتامين ألف.

***

* لو التقطت صورة لخيرو لربما استيقظت ضمائرُ في أركان الدنيا، ومنها ركنٌ قريبٌ جدًا.. ركننا نحن. إننا مدينون لخيرو وعشرات آلاف الأطفال الذين يموتون ويرون شيئًا أشد فزعًا من الموت كل يوم. على أنها صورة تمنيت لو لم أرها، وأتمنى ألا أراها مرة أخرى!

***

* الصومال تشتعل بالحرب، حرب عبثية أشعلها نزق وطمع تجار الموت بالصومال في أعلى المراتب، وأشعلتها من تحت وفوق قوى الغرب في أمريكا وأوروبا.. أنا لا أقول ذلك، إنه مقال قديم لا أنساه خرج بـ "الإندبندنت" بعنوان: "مأساة الصومال هي عمانا" Somalia Tragedy is our blindness يتهم الكاتب فيه أوروبا وأمريكا، وكاد حتى جنود الأمم المتحدة لحفظ السلام؛ لأنهم يتعاملون مع الحكومة، وعلى رأسهم جنرال الحرب الحاكم الصومالي.. ولأن تجار السلاح الغربيين اعتبروها سوقًا تزدهر.. ونعم، توقعهم صحيح.

***

* هل تعرفون دربَ العدم؟ إنه الطريق الذي يمتد عبر غرب جنوب القرن الإفريقي، حيث تقع الآن أعظم وأروع مأساة بشرية على الإطلاق.. هذا ما قالته "اليونيسيف".. لم تحفظ ذاكرة الأرض روعًا ولا جوعًا ولا جفافًا كما يحصل الآن في القرن الإفريقي الأجوف المتصدع جوعًا وعطشًا. إنه الطريق الذي يسلكه أشباهُ الأموات من مدن وقرى عبر الساحل الترابي، حيث القحط والجفاف والحر، وحيث يرى السالكون جثث من سبقوهم وعظام حيواناتهم، فيموتون هم على أقدامهم. كم قصة ستحتفظ بها كثبان الهول.. أمٌ تموت أمام أبنائها، وأهلٌ يكملون الطريقَ لا يستطيعون دفن رفات أبنائهم.. إنه "دربُ الهولِ الأعظم".

***

* الآن.. يصل بعضهم إلى "داداب" أكبر تجمع لاجئين على الكوكب، بشمال شرق كينيا وهي منطقة، للمفارقة، ضربها الجفاف. يسع المخيمُ 70 ألف لاجئ بالأصل، وصله من أيام الحرب قرابة 400 ألف من الصوماليين، وحتى الأمس وصله آخرون تعدوا النصف مليون.. تصورا المأساة. لا، لا.. لا يمكنكم!

***

* الآن هل نبكي ونتوجع فقط؟ إني أطالب، بل أستغيث بحكومتي أن تقوم بأكبر حملة إغاثة حقيقية من المنبع إلى المصب، وليس عن طريق السلطات الرسمية في الصومال أو كينيا فهذا ما تفعله دول غربية الآن، وكما يفعل اتحاد تجمع الكنائس، وكما تفعل هيئات مدنية عالمية مثل أطباء بلا حدود. وإني أطالب، بل أستغيث بالشعب السعودي كافة أن يقف من أجل كل "حميدو" يشهد الموتَ في درب الهول الأعظم.. من أجل أن نبصر بقلوبنا قبل أن يفقد ألف حميدو البصر!

***

* حملة اسمها "درب الأمل الأعظم" هي ما أطلبه من شبيبتنا الذين يجارون المستحيل بالخير والعطاء والتخطيط والتنفيذ، بل أستغيث بهم وهم ممتنون، طوع بنان الحكومة لو تبنت "درب الأمل لأعظم".. حملة إنقاذ مليون حميدو. فاليوم فقط مات 100 حميدو بعد نزاع مع ما لا يمكن منازعته.

***

* هل أقول إني أبلغتُ فاللهمّ أشهد. نعم، ولكن لن يكفيني هذا ولن يحميني، فأنا مسؤولٌ ومُساءَل.. مسؤولٌ ومُساءَل!