هل ألومك إن يئست وأحبطت وقلقت ؟

سنة النشر : 05/11/2012 الصحيفة : الاقتصادية

 

تأملات الإثنين

.. قنابلُ ذرية، إشعاعاتٌ نووية، أسلحة ماحقة، تهريب المخدرات والأموال والسلاح والأجساد البشرية، تجارة تكبر كوحش يقطر دما هي تجارة الأطفال والأعضاء.. فساد مستشرٍ، جرائم، جوع وكوارث. أممٌ ضد أممٍ، شعوبٌ ضد شعوبٍ، فئاتٌ وطوائف ضد فئاتٍ وطوائف.. تعصب ديني يحلل سفكَ الدم، وتحلل لا ديني يسفك الروح والوجدان.. والحبلُ على الغارب.

هل ألومك إن يئست؟ هل ألومك إن أحبطت؟ هل ألوم مَن قرر أن يغادر الدنيا بإرادته لأن الحياة لم تعد تُطاق بالنسبة إليه؟ هل ألوم من يقول: "حيواتنا البشرية مهددة بالموت أو المرض أو القتل، أو جميع هذه الباقة الشيطانية"؟ هل ألوم من يبشر بأن الشكَّ بلع اليقين؟ هل ألوم مَن يصرخ بأننا دخلنا نفقاً مظلماً، وأن هناك فعلاً طريقاً لنهايته.. ولكن إلى نفقٍ آخر أشدّ ظلمة؟

نعم، نعم ألومهم. ألوم كل واحد منهم!

لأن سؤالي الذي أحتج به: لمن نترك الأرض؟ لمن نترك الوطن؟ لمََن نترك المدينة؟ لمَن نترك الحي والجيرة؟ لمن نترك المنزلَ والأسرة؟ نعم.. لمَن؟ هل نتركهم لكل هذه الغيلان المفترسة، والظنون المتلبدة المحتدمة؟ هل نترك أبناءنا للمستقبل المظلم المعتم، لأننا جلبنا المستقبل، وجررناه من أم رأسه لحاضرنا قبل أن يحل أوان مجيئه؟ لا، لن نفعل، لا لن تفعلوا.

أفيدكم بشيء تعلمونه قبلي: طيلة المسيرة الإنسانية، كان الإنسان يمشي تحت زخات الخطر، وأمواج التهديد، وضبابية الآتي. وكل مرة ينتصر الإنسان. لمَ؟ لأن الخالقَ وضع في خلقه الإعجازي غريزة البقاء، وهي تتطلب آلات منها: الإرادة، والتفكير، والبناء مهما طال البناء. لذا استمر الإنسانُ واستمرّ الكوكبُ رغم كل الكوارث التي تحققت فعلاً وأبادت، يبدأ البشرُ من جديد. مدينة بمبي في إيطاليا القديمة ضربها زلزال حتى إن جبالاً كانت فيها قلاع عرّافات "دلفي" وقارئات نجوم الفلك انمحت للأبد، ولم يبق من المدينة مَن يطلق النَفََس.. دمارٌ فوق دمار.. لقد عُمِّر فوق المدينة البائدة عشراتُ المدن، وتوالت عليها مئاتُ الأجيال.. إنها إرادة الإنسان. "أغادير" المغربية ضُربت في أول الستينيات بأكبر زلزال في تاريخ قارة إفريقيا، وأبيدت تقريباً، والآن أغادير أبهج مدن، ليس المغرب، بل كل الساحل الغربي الشمالي الإفريقي. مرة أخرى إنها إرادة الحياة من غريزة البقاء.. كله يجتمع ويصب في مكان واحد اسمه: الأمل!

الأمل؟ نعم. ولكن ليس الأمل المتأمل المنتظر، ليس الأمل الذي ينتظر فرقاً وملائكة من السماء لإحياء الأرض من جديد.. لا إنه الأمل في القدرة البشرية، الأمل في العقل البشري الذي هو المعجزة الإلهية الأولى.. إنه الأمل المعجون بكبرياء الإنسان أنه قادر، وأنه سيسخر كل مشكلات الأرض من أجل صالح عيشه ومعاشه. وعندما نسمع عن توازن الرعب بين الدول التي تخبئ أسلحة كفيلة بتدمير الأرض عشرات المرات.. نعرف أنه ليس توازناً للرعب، بل هو توازن في البقاء، في إرادة الحياة.. في استمرار النوع. لذا سيستمر النوعُ البشري، إلى أن يأذن الله بنهاية كل شيء، والانتقالُ إلى عالمٍ خالدٍ فيه كل شيء.

إذن المسألة ليست هي أخطاؤنا، ولا اختلافنا، ولا اختلافاتنا.. إنها المسألة التي نثبتها كمبدأ إنساني أول وركيزة بشرية عقلية لا تحيد، نعيها أحايين ولا نعيها أكثر الأحايين.. وهي مبدأ البقاء.. مبدأ السلام. لعدم وعينا نسعى إلى السلام بضده، نحارب من أجل السلام، ونكره من أجل السلام، ونتعدى على بعضنا باسم السلام.. لم نعِ، أو قلة منا وعت، وهي لِمَ لا نسعى للسلام بالسلام ذاته؟

هناك مَن يظن أن وجودَنا مهدّدٌ مثل سيف "ديوقليدس" المعلق فوق رأسه كعقاب إغريقي أبدي.. فلا هو يضرب ولا هو يزول. نحن لا نعيش كذلك ومنطق العقل والوجدان والوعي البشري لا يقبل ذلك.

إن الله صرح لنا بأن الحياة الدنيا كَبَد ومعاناة، ولم يتركنا تحت تصرف ظروف التقلب الدنيوي الأرضي، فوضع في جماجمنا أكبر سلاح كوني على الإطلاق: عقولنا.

وظيفة العقل الإنساني أن يعيش وسط المحن، وأن يقبلها، ثم يحاول إما إزالتها، وإما تسخيرها، أو الالتفاف عليها لحين.. وقد أثبت العقل ذلك بمشيئة خالقه، فلِمَ القلقُ والخوف وقد زُوِّدنا بعقول تحسب أكثر من اصطدام ذرات كونية شاهقة، وترتد بأقل من لحظةِ ما قبل البرق وتعود..

هناك احتمال أن نفقد القدرة على العيش والنماء تحت مظلة الأمل.. هو عندما نفقد عقولنا. وعندما نفقد عقولنا، فلن نحتاج أصلاً أن يجري هذا الحديث! ‏