الوطن تعايش أم حتم؟

سنة النشر : 10/02/2014 الصحيفة : الاقتصادية

 
الحقيقة الجوهرية، بغضّ النظرِ عن أي شيءٍ آخر أننا متنوعون، وأن التنوعَ يربط الشبكة الحياتية بواقع بالحتم لا بطلب التعايش.. هذا ما أوقن به، وهذا ما أراهُ عدلًا حقانيًا عامًا.
 
فآلية "التعايش" فيها تعارض مع "حتمية" تنوع الأشياء كتوازن في كل القوانين التي أسَرَّها وأظهرها الخالقُ تعالى في الكون. ولا بد أن نسقي وعيَنا الحياتي الوجودي من نبع قوانين الحياة، تلك القوانين التي زرعها اللهُ في ضمير الكون..
 
فانظر أن "قانونَ الحتم" لا يقول إن عنصري الأكسجين والهيدروجين يجب أن يتعايشا، فهذا معارضة للحقيقة القانونية الحتمية الأسمى لتكون الحياةُ حياةً منتظمة ومنسقة بتصميم إلهي عظيم.
 
فالماءُ هو الحتمُ، والعنصران الأكسجين والهيدروجين صارا ماءً نهائيًّا حتميًّا، والمادة التي هي الماء لم تعد تقبل انفصامًا، وإن صار الانفصامُ انعدمت المادة نهائيًّا.
 
إنه قانون الحتم المقنع الوحيد، وليست أي فلسفةٍ أو تنظيرٍ آخر يشتّت الحتمَ، فينتفي أصلُ الأصل. نجد أن في بقعةِ طينيةٍ واحدة تعيش ملايين الأنواع الحيّة لتعطي الطينَ ماهيّته وفائدته ودوره في منظومة الحياة.. فالطينُ يصير حتمًا، والملايينُ الحيّة المتنوعة تأخذ حتميتها من حتمية الأصل.
 
الذي يجب أن يُفهم علميًّا عقلانيًّا واقعيًّا أنه هو قانون الحتمية الذي نادت به أول نجمة خلقها الله في أول النشء الكوني .. فكلنا بهذا الكون واحد، ونعود لأصلٍ واحد، ومن خالق واحد لا شريك له.
 
نعم .. كلنا واحد من عنصرٍ واحد، من المجرة السابحة إلى الدودة الزاحفة. أما عن تنوعنا في هذا الوطن الذي يجمعنا - ونحن أجزاؤه التي تكوّنه - فليس التنوع ذاته هو الأصل إنما هو الوهم، فركزنا على الوهم فتلاشى عن وعي منطقنا الأصل، ثم نغرق تبريرًا ونقاشًا يصل التناحرَ اللفظي في بحرٍ ليس موجودًا، وضعه وهمُنا، ثم تبرّعنا بالغرق فيه.
 
الحقيقة نحن استمددنا واقع الحتم، فعناصرنا المتنوعة هي التي تشكل الحتمَ الأصل الذي هو الوطن، فكما يكوّن عنصرا الأكسجين والهيدروجين الماءُ فيصير الماء حتمًا، وتجمعهما لتكوينه حتما - فنحن كذلك العناصر التي تشكل الوطن، وهنا يكون واقعنا حتميًّا، وليس تعايشيًّا.
 
نحن حتم الأجزاء ليكون موجودًا حتم الأصل .. نحن صرنا – حتمًا - لشيءٍ واحدٍ، لحتمٍ واحد، أي الوطن الواحد، إن فُرِّقَ، أو شعرنا أننا فقط متلاصقين وقابلين للفكاك، ولسنا اتحادًا حتميًّا فلا يكون هناك وطنٌ كما يجب أن يكون.. نحن أجزاءٌ حتميةٌ ليكون الأصلُ وطنًا حتميًّا. غير قابلين أصلا للفكاك وإلا هي نهاية الأصل.. فدوننا، لا وطن.. لا شيء. تنوعنا حتمٌ واحد في قانون الكون العام في الأصل. فنحن لسنا فقط أبناءَ الترابِ تحتنا، بل ننتمي حتى إلى تلك النجمة فوقنا.