القلق

سنة النشر : 06/05/2009 الصحيفة : اليوم

 
كنت أعرف صديقا يشيع جوَّ المرحِ والحبورِ في أي مكان يحلّ فيه، كان شخصاً موهوباً حقا، جميلَ الطلعة فيملأ العين بالوسامة، وكانت عيناه صافيتين واسعتين تغريانك بالتفاؤل والأمل..
 
كان عندما ينسحب من بيننا يأخذ معه كهرباء الحضور، وطلاوة الهواء، ويأخذ معه قهقهاتنا التي تضج في المكان.. ليعود الملل والصمت، وأنه أتى وأعطانا جمالا، ثم عاد وأخذه بقسوة.
 
اختفى عني صديقي سنوات، وراح يعمل في إحدى المناطق الصناعية الكبرى، صرنا نتواصل عن بعد، تزوج ..ثم اختفى تماما.. في دعوة، رأيت في المدعوين شخصا يجلس منعزلا، قال لي صاحب الدعوة إنه قريبه، ولما ذكر اسمه جريت نحوه.. فقد ذكر اسما غاب عني سنوات، اسما عزيزا .. اسم صديقي الذي غاب.
 
كان منكفئا على سيجارته، (ولم يكن في عهدي من المدخنين) وتطلع لي بوجه خال من التعبير إلا أثر ابتسامة توقفت وتعطلت عضلاتها منذ زمن.. كان ترحيبه بي طيبا، لكنه خالٍ من لهفة الشوق، خاوٍٍ من حرارة الود.. على أن تاريخَ علاقتنا العميقة هو الذي حرك كل شيء..
 
فبعد مدة راح يتكلم بدون انقطاع، وكان قلقا زائغا متذمرا من كل شيء ، حتى قال إنه قرف أسرته فهجرته، وقرف نفسه، ثم راح يهيل على نفسه كل أنواع التقريع مخاطبا ذاته وكأنه نسي تماما وجودي، أو أنه غرق في وجودٍ له وحده.. وجود بالغ الوحشة.. وحزنت.. ولا بد أني اكتأبت! نعم، الكآبةُ، هذا المرض الذي ينتشر ويزيد كل يوم، وكتبت عنه أكثر من مرة لأني أصطدم به أكثر من مرة، ومن ناس أحبهم وأراهم يذوون بفعل ثقل هذا المرض، وطالبت بأن يُفعَّل الوعيُ عن مرض الكآبة ومسبباته ودواعيه، وأن تكون له جمعياته، وحملاته التوعوية، وإشهار وجوده، وجوده الثقيل.
 
وصحيح أن دواعي زماننا توفر مناخا مناسبا لأنواع الكآبة والقلق .. كئيبون حزاني عندما نفقد حبيبا، وقلقون على فرصنا في التقدم، وفي الرزق، وعلى حاضرنا ومستقبلنا وأولادنا، ومن نهر الحياة السريع الذي يجعلنا نلهث فنشكو ونقلق، هذه أمور طبيعية، وقد يكون من غير الطبيعي ألا تكون .. عندما يكون القلق دائما، ومصاحبا كليلٍ متواصلٍ بدون بارق ضوء ، ويكون قماشا أسود يغطي المرء فلا يعرف كيف يسحب منه طرفا لأنه لا طرف له..
 
لما تتحول الحياة إلى وهم أسود، ويتحول الإنسان إلى جزيرة يغلق فيها على ذاته ثم يشبعها عقابا وازدراء، فهذه الكآبة المزمنة .. وهي موجودة، ولكننا لا نراها في كل الحالات.. لأن من طبيعتها أن تغلف نفسها وتأكل من الداخل حتى لا تبقى إلا هي وحدها، وتسدل ستارا غليظا دون شمس الحياة..
 
أطالب الدوائر الصحية، وأتمنى عليهم أن يتصدوا لهذا المرض الذي لم يعد نادرا، وكثير مصابون بدرجاته المختلفة، وآخرون مؤهلون لكي يدخلوا عالمه.. ونريد منهم حملة للتوعية عنه، لأنه الآن يأكل من أنفس بعضنا، ويصيب طبيعة مجتمعنا، ونواحي اقتصادنا، وصحة عقولنا..
 
.. تركت صاحبي وقد أثر بي، فيبدو أنه عاش مع الكآبة سنيناً حتى نسي أن هناك مشاعر غيرها !