علوم الحفريات الإنساني
سنة النشر : 12/05/2009
الصحيفة : اليوم
دافيد هروبين يعتبر سلطة في مبحث من علوم الحفريات الإنساني Palaeoanthropology ، وهذا المبحث هو الناحية الحفرية التشريحية Palaeoanatomist.
يعني، التخصص الذي يحدد ما حدث لهيكل عظمي إنساني حين كان حيا من الآثار التشريحية التي تكون في الحمض الجيني أو التغييرات على العظام.. وله كتاب من أكثر الكتب العلمية تشويقا وإفادة، وعنوانه غريب:( جنون آدم وحواء Madness of Adam + Eve) أورد فيه هذه الواقعة: في وادٍ لمجرى نهري سحيق جاف في أفريقيا اسمه (توكانا)، اكتشف علماءُ التنقيب والتشريح الأثري هيكلا عظميا لامرأة عاشت تقريبا من مليون عام.. وبدا من التحليل أنها ماتت متسممة بسمٍّ يسبب مرضا بالعظام، وآلامه لا تطاق.
الفيتامين (أ) من الأساسيات لحياة النوع البشري. وهذا الفيتامين نحتاجه لغير الأشياء التي نعرفها عنه كفائدته لوظيفة العين، فهو أيضا بالغ الأداء الحيوي في ضبط الانقسام الخلوي للنمو الطبيعي لكل أنسجة الجسم.
ولكنه أيضا سم زعاف، عندما يُسرف في استخدامه، أو يُعتمد على مصدر وحيد في الغذاء مليء بهذا الفيتامين.. ولقد وجد العلماءُ أن (فتاة توكانا) - كما صاروا يسمون ذلك الهيكل العظمي- تسممت بتركيز بفيتامين (أ) لأن بيئتها الغذائية مكونة من النبات اللاحم، وأكباد الحيوانات والطيور.
والفيتامين (أ) من السموم النادرة التي تترك أثرا واضحا في العظام.. وعرف العلماءُ أنها ماتت بالتسمم بهذا الفيتامين وبعد عذاب فوق طاقة التحمل الإنساني..
وسجل التاريخُ العلمي أول حالات تسمم بالفيتامين (أ) لبعض كشافي القطب الشمالي الذين اعتادوا أكل أكباد الفقمات البحرية، وأكباد الدبب القطبية حتى ماتوا تسمما بالفيتامين (أ).. وفكرت لوهلة في معنى سلاح ذي حدين، ولم أجد مثالا أوضح من الفيتامين (أ).. إلا فيتامين الأفكار! وترى أن فيتامين الأفكارَ هو الذي كان وراء نمو أنسجة الحضارة الإنسانية.. وبعض الأفكار كادت أن تدمر الحضارة.. والسجال قائم.
الأفكار سامية بذاتها، ولكن عندما تتعصب، لأي فكرةٍ كانت، تعصبا أوحد، ولا تقبل غير فكر بعينه ليدخل دماغك، فإن هذا الفكر يصير سموما خبيثة للعقل.
متى ما دارت الأفكارُ في هواءٍ طلق، وتغذى العقلُ من مصادر فكرية متنوعة.. نما وأبدع وتسامح.
لا تتسمموا بالتركيز على فيتامينين اثنين: الفيتامين (أ) .. والفيتامين (أفكار!).