عفراءُ

سنة النشر : 20/05/2009 الصحيفة : اليوم

 
.. اللطافةُ شيءٌ مثل انتشار رائحةِ الزهور بالوجود» هذا ما قالته عفراءُ إحدى أعلم الصوفيات اللاتي قضين حياتهن في تأمل ملكوتِ الله، ورأت ان المحبة على الأرض هي اللطف مع الآخرين.
 
وصحيحٌ أننا لا نستطيع أن نشق القلوبَ لنعلم ما بداخلها، ولكن اللطافة هي مثل تلك الأوراق المزخرفة المبهجة الفرائحية التي تُلفُّ بها علب الهدايا.. إنها عنوانٌ أولٌ للسعادِة والمحبةِ، والتآخي، والتحضر.. وأكبر علامة سلام. وعلى قول عفراء، فإن الزهورَ لن تستطيع أن تشمّ ضوعَ عطرها وأنت تجري بلا تركيز ولا التفاتٍ ولا إحساس، إن أردت أن تشم وتتمتع برائحة الزهور فعليك أن تقف، وتملأ وجودَك للحظاتٍ بهذه المتعة الهوائية التي تنقلك بأحاسيسك ومزاجك إلى عوالم أبهى..
 
واللطافةُ تحتاج تركيزا، وانتباها، وقصدا، للقيام بها. فاللطافة هي الغلافُ الذي نقابل به الآخرين، هي الرائحة العطرة التي تنبع من قلوبنا عندما نقابلهم عن معرفة أو غير معرفة، لثانيةٍ أو لساعات.. في عرض الطريق أو في وسط قاعة من القاعات، أو محفل من المحافل.. إنها الجمالية التي تعطي مبعثا للأمان والدعة في المنزل بين الأزواج، والأشقاء، والشقيقات، والأصدقاء، والمعارف، والزملاء في المدارس والجامعات والمكاتب.
 
اللطافة أن تكون ورودك دائما في وجودك.. تـُقدَّمُ للآخرين. سواء أمسكتَ باباُ لعابرٍ من بعدك، أو سمحتَ لسائق سيارةٍ للعبور أمامك في تقاطع شديد الازدحام، أو أعطيت كرسيك لرجل أكبر منك، أو لمريض، أو لامرأة في قاعة انتظار مكتظة، أو تعاملت وأنت مسافر بلباقةٍ مع الركاب وطاقم الطائرة..
 
أو أطلقت السلام على رجل ينظف الطريقَ أمام بيتك، أو ابتسمت بوجه حارس أمن في احدى بوابات العبور.. أو ربَتَّ على كتف زميلك أو صديقك أو الموظف الذي ترأسه استحسانا وتشجيعا، بأن تفسح لمشتر من بعدك يحمل بضاعة خفيفة بينما مشترياتك تملأ عربة التبضع..
 
كلها أشياء صغيرة وغير مجهدة، ولكنك لكل واحد من هؤلاء وأكثر توقفه وتقدم له من أعماق بستان قلبك زهرة.. سيتأملها، سيفكر بها، ستغير لحظته، وتعيد الألوانَ لمزاجه، وستتوسع شفتاه بابتسامةٍ تغسل همومَه، فقط بفعل منك لا يأخذ طاقة ولا جهدا.. وسيزرع في داخلك تلك الهناءة والسلام الداخليّيْن، وستكون في عيون الناسِ من أجملِ الناس.
 
كل يوم يخرجون لنا بعيد.. ولو صحّ لي لاعتبرتُ تاريخ هذا الاربعاء من كل عام : عيداً للطافة.