المبدعين

سنة النشر : 03/06/2009 الصحيفة : اليوم

 
«» سأحمّلكم جميعا مسئولية البحث عن المبدعات والمبدعين بكل مجالات الإبداع والتميّز. وسأحمّلكم مسئولية تكريمهم التكريم اللائق..
 
أضع هذا التحدي أمامكم وعلى رؤوس الأشهاد، فمن سيقبل هذا التحدي من هذا العجوز؟ سعيد عبدالكريم الخباز.» سعيد عبدالكريم الخباز ليس عجوزاً كما يدعي، ولكنه يرسل رسالة مهمة لبلدتِه ومنطقته وبلاده، أن الزمنَ بات زمنُ الشبابِ. السيد الخباز في أوجّ عطائِهِ، وذروة تألـّقِهِ الذهني، وتوقدِه الثقافي، وطموحٌ بركانيٌ يعتمل كالحِمَم في قلبِهِ يريد منفْساً للخروج.. وكانت أول منافِسِهِ بحجم منـْفـَسٍ بركانٍ سامقٍ جليل صبر كثيرا ثم ثار بمجدٍ وأنـَفـَةٍ وعطاءٍ وحرارة.. فاللافا البركانية هي سرّ خصوبةِ الأرض.
 
وهو يؤكدُ على صفة العجوز ليعلم من يصرّون على أخذ القرار عن الشباب في عصرٍ أدواتـُه فُصِّلـَتْ من أجل الشباب، بأن هذا نكوص، أو حركة ثقيلة جدا نحو المستقبل. المستقبل يحتاج اللياقة، واللياقة تحتاج الرشاقة، والرشاقة تحتاج السرعة، والسرعة تحتاج خلايا في طورِ البناءِ والتوالد.. هذا ما يعرفه هذا العجوزُ الذي ارتضى باللقبِ قبل أوانِهِ من أجل شبابِ بلاده.
 
سعيد الخباز سجّلـْتـُهُ، في وعيي وإدراكي ومقاييسي العقلية، مثقفٍاً عريقاً من أول لحظةٍ عرفته، أو، من أول لحظةٍ رأيته يتكلم ارتجالا.. سمعته بالإنجليزية فخلَبَ لـُبّي بعمق تعابيره، ولطف تشبيهاتِه، ونباهة قفشاتِهِ، وبراعة استخدامِه للتركيبة اللغوية الإنجليزية، ونحته للعبارة، ليوظفها في تأنيق الأسلوبِ وسرعة وصول الفكرة..
 
وصنـّفته من المبدعين في اللغة الإنجليزية بتأثير عمله بأرامكو وتعليمه الذي كان معظمه باللغة الإنجليزية، حتى سمعته متحدثاً في جائزة القطيف للإنجاز في أول مواسمها، وذهلتُ أني أقرأ لبعض كتابنا وأجد الخللَ في التراكيب اللغوية والنحوية، وفي الترقيم، ووقفات الجمل، والنطق المليء باللحن..
 
ذهلتُ لأني سمعتُ لغةً عربيةً خالصةً مُخـَلـَّصَة، بإلقاءٍ يجاري روعتَه في اللغة الأخرى، إن لم يتفوق فيها على نفسه، وحرصا شديدا- رغم ادعائه بضعفه النحوي- على تشكيل كل كلمةٍ ليقول لنا من غير أن يفصح أنه من حماةِ اللغةِ وليس فقط من متقنيها.. ولمّا كتب الخبّازُ مقالاً عن الجائزةِ صنـّفْتـُها من عيونِ المقالاتِ التي تعتني باللغةِ والمعنى وهندسةِ البناءِ الأسلوبي، والتدرّج في إيغال فكرتِهِ لأعمق خلايا دماغ المتلـَقـِّي.
 
ما أصدق ما قاله النقادُ: «إن الرجلَ هو الأسلوب.» وفي وقتٍ كنت قد أقفلت به ملف الخبّاز العطائي الاجتماعي بعد تقاعده من أرامكو، وبدء أعماله الخاصة، فإذا بالبركان المنيفِ يفورُ من جديد.. صحيح، كيف غابتْ عني هذه البديهية؟ البراكينُ لا تتوقف عن الثوراتِ، ولو بعد حين.
 
وكانت ثورته الحُمَمِيّة الحميمة هذه المرة خروج جائزة «القطيف للإنجاز»، ليُقـَيـَّم ويُفرَز ويُختار ويُكافـَأ أصحابُ الإنجازاتِ من الشابات والشباب في مجالاتِ العلوم والفكرِ والفنون والإدارةِ والاقتصاد، في حيِّزٍ ديموغرافيٍّ من «أم الساهك» غربا حتى «دارين» شرقا..
 
وتجنـَّدَ معه أكثر من أربعين امرأة ورجلا من أجل الانقطاع باجتماعات أسبوعية لتحقيق الفحص والاختيار والتأهيل. وكُلـِّلـَتْ ليلةٌ من ليالي القطيف في قاعة الملك عبدالله بأبهى بواكير مناسبةٍ ساطعةِ النور اسمها: تكريم الفائزين بجوائز القطيف للإنجاز..
 
يا لها من ليلة! يا سعيد، أيها الماكر، تخفيتَ برداءِ العجوزِ حتى تـُمَرِّرَ تحت عباءتِك (آسف، بدلتِك!) طوابيرَ الشباب.
 
.. ونجحت.