العلكة

سنة النشر : 06/06/2009 الصحيفة : اليوم

 
.. هناك أيام حميدة وهي أن يكلل الإنسان تعباً وجهداً لأيامٍ كثيرة سبقت، ومنها يوم التخرج في الجامعةِ، فهو يومٌ أحمَدُ..
 
ليلة الأربعاء الماضي كانت ليلة حميدة، فقد ذهبتُ لحضور تخرج دفعةٍ من جامعة البترول والمعادن، ولن أخصّ أحدا، لأنهم جميعا ابناؤنا، وفرحتنا بهم كلهم لا توصف.
 
وكانت ليلة من أجمل ليالي عمري، وكنت أظن من بدايتها أنها لن تكون. دخلتُ الأستادَ الرياضي من بوابته التي يتزاحم فيها الناس، وأخذتني هذه الصفةُ المنفوخةُ وأدرجتُ نفسي مع مدخل الشخصياتِ الهامّة، ورأيت من قبلي كلهم يرتدون البشوت، ثم يبرزون البطاقة فيدخلون مكرّمين معززين.
 
ياه.. نسيت أن ألبس البشت، ولكني تذكرت: أنا لا ألبس البشت. فلما رآني حاجب البوابةِ أشار إلي بحسم بأن آخذ طريق الجمهور.. فأخذتها من قصيرها وتزاحمت مع المتزاحمين، فلم يكن بي أبدا ما يوحي بأي شخصية هامّةٍ أو أقل أهمية.
 
هل ندِمْتُ؟ والله لم أندم لحظة.. ألم أقل لكم إنها كانت من أجمل ليالي حياتي. أشكر جامعة الملك فهد للبترول والمعادن، لأن الحاجبَ أشار علي، ولا لوم عليه أبدا، بأن أتخذ طريقا مع الناس، فقد تعلمتُ أن أجملَ الطرق وأسعدها هي الطرقُ التي مع الناس، هي لما تتزاحم المناكبُ مع المناكب، ويذهب التصنعُ بالعفوية في الموقف والظرف، هي لما ترى شخصا وآخر يتباريان في إفساح مكانهما للآخر، والناس رغم ذلك تنتظر بلا شكوى، لما يحملُ رجلٌ طفلا صغيرا باكيا فقدت يدُه يدَ أبيه، لما تكون الفرحة عامة لأناس جميلين وسعداء وسيعيشون بعد لحظاتٍ واحدة من أجمل مناسبات حياتهم على الإطلاق.. تخرج أولادهم.
 
اللحظة المطلقة التي تكون بها أنت كما هو أساس تكوينك، وليست تلك الشخصية المقبوضة المنشّاة المحجوزة وراء قضبان التصنع ومراعاة الاتيكيت.
 
أشكر الجامعة فقد شعرت فعلا بحريةٍ، حرية طيْرٍ مع سربِ الطيور. واتخذتُ المدرجَ الذي ستمر أمامه طوابيرُ الخريجين بعيدا عن المنصة بالجهةِ المعارضة، قليلةُ الازدحام نوعا، ثم فجأة انفجرت بالازدحام عند مرور الطوابير المضيئة من الشبابِ الخريجين.. ولقد سجلَتْ عينَاي وذاكرتي وقائعَ من أجمل ما سأتذكره بقية حياتي، سمعتُ شعارات أصدقاءٍ ينادون صديقهم : «يا كبير، ما يتخرج إلا كبير»، فيخرج من الصف قليلا ويضرب لهم تحية الكبار ويمضي.. وشابٌ يخرج من الصف ويقول: «أنت فلان، معقول؟» فيتجمع زملاؤه معه، وطردتهم طردا وأنا أكاد أقبل جبينَ كل واحدٍ منهم، ليعودوا للطابور.. وفجأة: آي يا كتفي.. شابٌ صغيرٌ وقع على كتفي ليصوّر أخاه، ثم تذكر أنها كتف إنسان واستأذن بماذا؟ استأذن أن يواصل! وشعرتُ وكأن شيئا من السعادة حط على كتفي.. «أي يا كتفي مرة أخرى»، فقد اضطر وهو يعود إلى مكانه للضغظةِ الأخيرة.. ثم عاد بسرعة، ماذا فعل؟ قبل رأسي.. واو! على أن الطفلَ الصغير على جانبي الأيمن لم يكن متكئا على ذاك الكتف، وإنما كان ينفخ في علكةٍ من فمهِ حتى كادت تمس لزوجتها طرفَ وجهي، وأنا أترقب لحظة الانفجار.. وحصلتْ.
 
وكنت أشرف من بعيد على الجهةِ النسائية، وهنّ اللاتي أعطين الحفلَ طابعاً لونيا وصوتيا وفرائحيا قلبَ الملعب لقطعة من الصخب المرح، والبهجة الملوّنة، حتى دمع القلبُ. وكنت مخدّرا من فرط الانتشاء، جامعة البترول من أفضل الجامعات العربية على الإطلاق في المشهدِ التخرجي.. رغم كل شيء.
 
انتهى الحفل وتقافز الشباب داخل الملعب بأكبر صورةٍ تعبر عن الحبّ والفخر اللحظي، يا الله لكم يحب الناسُ بعضـَهم. ولما حاولت أن أنهضَ من كرسييّ الورديّ الصغير.. كانَ للعلكةِ قرارٌ آخر!