بلا جوال

سنة النشر : 17/06/2009 الصحيفة : اليوم

 
.. حرقتُ جوالي بيدي، أو أني حرقت شريحتي بيدي، على أن هذه ليست القصة، القصة هي ما بعد أن صرت عائما طافيا معزولا بلا جوال.. شعور غريب لم يخلق مع تركيبة الإنسان الأولى، واكتسبناها شعورا جديدا مع اختراع جديد..
 
وكان ديكارت الشكاك يقول: (أنا أفكر.. أنا موجود)، وهي خلاصة لرحيق فلسفي شائك في أنّ الأنا جوهرٌ فكريٌ مُنزَّهٌ ومستقلٌّ كلّ الاستقلال عن الجسد.. ولم تكن هذه الأطروحة الفلسفية تشغلني، أو تعني لي شيئا ماديا ملموسا، حتى صرت بلا جوال.
 
هنا عرفت أن وجود الجسد لا يعني حضورا، طالما أنك بلا جوال.. إذن، إن كنت بلا جوالٍ، فأنت غير موجود.. بعد أن حرقتُ شريحتي ومعها حصيلة شقاء عمري وعمر جوالي من المعلومات والهواتف والرسائل العزيزة المحفوظة، جاءني هذا الشعور الغريب، فأنا لما أخرج من بيتي أصير غير موجود.. لا يهتدي إلي أحد، ولا أنا أهتدي لأحد ..
 
وأحسست وأنا في الخارج بلا جوال، وكأن الكونَ المفتوحَ لم يعد هو الحرية القصوى، وأنني في مفازةٍ فوق العالم، أو تحته، أو موازٍ له، ولكن لست موجودا به .. أنت تخرج من باب بيتك بلا جوال.. فقد تبخرت .. أنت شبح لا يراه إلا أنت، أو من يراه غيرك لا تعنيه تواصلا بشيء، تكون سلكا معزولا من طرفيه، مادة من الألياف لا تقوم بأي عمل .. انفصل الجسدُ عن الجوهر، فلم يعد السلك متصلا ولا موصولا.. فصار بلا مبرر، بلا وجود، أو أنه ذلك الوجود الذي يملأ فراغا بمادة من الفراغ.
 
خرجت قبل البارحة لزواج شابٍ قريب، وكان يجب أن أكون من المبكرين للحضور، وواعدت أخي خارج منزلي، ولما خرجتُ رحتُ أطوف بحثا عنه، ثم هو وصل .. وراح يطوف بحثا عني ! لأنه لا يستطيع الاتصال بي، ولا أنا موصول ولا متصل، كنت مجرد سلك من ألياف لا يعمل، جسدا يملأ الهواء بالفراغ .. عزلة محتومة .. لا يحررك منها إلا جوالك.. والذي هو أيضا سجانك !
 
غريب منطق التطور الإنساني فهو يربطنا به ارتباط العبد الأسير بينما نحن نروم التحرر، لم نعد نستطيع أن نتذوق الحياة بلا سيارة، وبلا ثلاجة، ولا هاتف.. ثم جاء الجوال وأوغل في التحكم في رقابنا، وجاءت (الإنترنت) وستقوم بما لم يقم به الأوائلُ.. إن الشعورَ بوجود الإنسان هو أن تعرف كيف تصل إليه، وتتصل به.. ومن لا يمكنك أن تعثر عليه أو أن تتصل به، فهو غير موجود في الحياة ولو للحظة.. لحظة أن تتخلى عنه تكنولوجيا الاتصال.. متى أعود مجددا لأقول أنا موجود ؟
 
إما بأن أفكر، كما قال ديكارت، ولكن هذا يحتاج دماغا !.. أو أن أحصل على جوال .. وهذا يحتاج نقودا..