مرض الرحمة

سنة النشر : 02/07/2009 الصحيفة : اليوم

 
لا تخلو حياةُ إنسانٍ من الألم والأحزان، إنها من أقدارِ وحتمياتِ وطبيعةِ الحياة.
 
ولا خيارَ – كي تستمر الحياةُ كما نريدها، لا كما تريدنا ظروفُها- أن نواجه هذه الآلامَ والأحزانَ، بدل أن نتفاداها أو تغمرنا.
 
وأومنُ أن اللهَ وضع في الأرض الآلامَ والأحزان لغايةٍ ساميةٍ، ومنها الأمراض التي تسمى خبيثة، بينما والدتي لا ترضى إلا بتسميتها بصفة « مرض الرحمة»، لأن كل ما يأتي من الله هو رحمة خالصة.
 
إن الأحزانَ والآلامَ هي ذروةُ التجاربِ الفارقةِ في الحياة، عندما نجدُ أنفسَنا فجأةً، أو بالتدريج، في قبضةِ حدثٍ استثنائي، حدثٌ سيغير كل ما تعوّدنا عليه في حياتنا منذ ولدنا. هنا، سيكون أمام المرء خياران، خيارُ الاستسلام للقبضةِ فستعصره حتى قبل المرض أو الحدَث، أو أنه سيتلمّسُ سبيلا للخلاص، وسيَجـِد، لأن الخلاصَ أمرٌ يوازي حدّ القداسة، فالبحثُ عن الخلاص هو من مادة الإيمانِ ذاتِهِ، الإيمانُ بأن عند الله الخلاص الأكبر. .
 
لسنا كلنا قادرين على الخلاص، بل أكثرنا من الذين ينكسرون أمام الحدثِ المباغت، والتهديد المفاجئ لوجودنا، وهنا نحتاج إلى مرشدي الخلاص، والدكتور «أحمد بن إبراهيم الصغير» المختص بالأورام السرطانية، من أكثر من رأيته شخصياً وكأنه قائدٌ يتقدم حاملاً بيرق كتيبة الخلاص. للدكتور «الصغير» موهبة ربانية قبل أن تكون اكتسابية- وهنا الجوهرُ- في أن يملأ المكانَ مهما اشتدت قبضة الحدثِ بفيضٍ من الراحة، وتلمّس طرق الخلاص، إن مرضاه يدخلون عليه ومنهم من يكونون هياكلَ تجرّ نفسَها وكأنها مقيدة بأغلالٍ، ويخرجون وعلى وجوهم هذه الراحة التي تدلك على أن طاقةً جديدةً شحنت أرواحَهم، فإذا ملامحُ الوجوهِ انعكاسٌ لتدفقاتِ الأمل في دورةِ الدماء.
 
للأسفِ الشديد، ومن فلسفةٍ بالأخلاق الطبية، يؤمن بعض الأطباءِ بمواجهة المريض بصراحة مكشوفة وبتجمدٍّ عاطفي، وهنا الفرقُ الذي يتجلى كتاجٍ منيف، في القدرة على إمساك اللحظة، فالماضي لن يعود، والمستقبل عند الله.. وتتجلى قدرة الدكتور «الصغير» الطبيعية، وربما التدرب المكتسَب، لجعل المريض يثق أنّه سيشفى، لأن اللهَ هو الشافي، ثم لأن للثقة والشجاعة والإيمان حافزا مجرّبا في الشفاء.
 
ولما رافقتُ حبيبا لي، دارتْ بخواطرِنا أفكارٌ سوداءٌ تحمل منجلَ الشؤم، وعرف «الصغيرُ» بعمق ملامسته الروحية والنفسية لمرضاه، أن القلقَ هو السائدُ، فأخرج من جيبه صورةً لابنه، قطعة كبدِه، ذي الثمانية أعوام وهو في المستشفى يعاني ذات المرض.. ثم أخرج صورة أخرى بعد أن منّ اللهُ عليه وعلى والديه بالشفاء.. وعمّ المكانُ صمتٌ مذهول، وفاض الجوُّ بأشواق التفاؤلِ والإيمان والحياة.. والإعجاب.
 
الدكتورُ «الصغير» مستعدٌ أن يجري لآخر الشوط، ولأكثر من مرة، ليجعل مريضَه متفائلاً ويسلمه اللحظة الآنية ليعيشها كما يجب أن يعيش.
 
وبما أن لكلٍّ من اسمِه نصيبا، فالدكتورُ «الصغير» يخالف القاعدة هنا.. وبامتياز!