متلازمة داون
سنة النشر : 09/07/2009
الصحيفة : اليوم
.. لما حضرتُ أول نشاطٍ خطابي ( توماسترز) لمؤتمرٍ أقيم في الخبر، لم يكن من المتحدثين ولا المنظمين سعودي واحد، وأذهلوني بملكاتهم الخطابية بالإنجليزية، وبقوة حضورهم أمام مئات من الناس، وثقتهم البالغة بأنفسهم.
لذا كل مرة أتأكد بالفعل أن التوست ماسترز أو نوادي الخطابة الارتجالية هي مصانع للقادة.. لذا صرت أدعو بكل قوة وأتمنى أن تنتشر هذه الفعاليات، فأجيالُنا صارت من أضعف الأجيال في المواجهةِ والطلاقة الخطابية.. والكلمةُ يا أصدقائي ستبقى من البدء حتى النهاية هي القوة الحقيقية التي تحرك العالم.
في الجبيل قبل البارحة، لما غادرت قاعة فندق «الانتركوننتال»، أرسلت رسالة جوابية لصديق حياتي «عبدالله بن مقبل القرعاوي»، الرئيس التنفيذي لشركة «يونايتد» من مجموعة سابك، وقلت له: «لقد كانت واحدة من أجمل ليالي حياتي.» ولم ابالغ. فقد دخلت أسير، وخرجت أطير.
تلك الليلة دمعت عيناي تأثرا، وضحكت حتى كدت أن اقع من على الكرسي، وصفقت للبلاغة الخاطفة.. كل ذلك من الخطب المرتجلةِ من شبابٍ سعوديين، فالسيد «جمال الغامدي» أدمع عيوننا وملأنا غبطة بذات الوقت باعتزاره بابنه المصاب بـ»متلازمة داون»، وهو يقول هل ابني أقل منا نحن العاديين، إن من صفات من بهم متلازمة داون، أنهم لا يكذبون ولا يعرفون إلا الحبَّ، ولا يحملون ضغينةً أبدا، ودائمو الابتسام.
فهل هم أقل منا نحن الذين نكذب ونكره ونحسد ونعبس؟ لا، بل هم أرقى، هم الملائكة حولنا على الأرض. فصـَدَق. وأضحكنا واثـّر بنا، فلعب بعواطفنا الشاب الألمعي «ماجد باهبري»، ولم تأت صفة الألمعي هنا عبثا، هذا الشاب الذكي طلقٌ بالإنجليزية بلا جهدٍ وكأنها لغته الأساس، وعرفت من السيد القرعاوي أنه يجيد الروسية أيضا، أثّر بنا لما تكلم عن التدخين والدليل أن أباه ضاعت حياته كالدخان.. ثم أضحكنا لما ألقى خطبة فكاهيةً.
ولقد أنـَّبـْتُهُ على ذلك في كلمتي، فلقد كاد فكّي أن يسقط! وقدم الحفل «عبدالجليل باهبري»، وذكرني بوزير الإعلام الهتلري «جوبلز»، الذي كان سيد البرباجاندا الإعلامية، فهو يستطيع أن يضع فيك إنسانا آخر فوق ما أنت عليه بمراحل بكلماتهِ المدوية. وكان نجم الحفل شاب اسمه «أحمد الخالدي» وهو من مادة النجاح نفسها عرفت أنه حصل على الثانويةِ والشهادة الجامعيةِ وأتقن الإنجليزية بإبهارٍ وهو على رأس العمل.. وحدث شيءٌ أمامنا.. سقطت حكومة، وبزغت حكومة أخرى! سقطت رئاسة نادي «توست ماسترز» في شركة يونايتد من الشخص الرائع «أحمد الشيخ» ( وأسميناه حارق الأوراق تلك الليلة لأنه قرأ أفكار من سيتكلمون بعده، وبالذات بالرئيس التنفيذي القرعاوي، وأنا. وطلبنا من الله أن يعفو عنه. وتولّى السيد «فلاّته» الرئاسة مع أركان حربه.. ولقد تشفينا من الداخل من السيد الشيخ بسقوط عهده.
أما القرعاوي رئيس الشركة ورجلها الأول.. فهو مجردُ واحدٍ من الأعضاء المنتمين، تحت رئاسة السيد فلاته.. إن لم تكن هذه الديموقراطية، فماهي؟
هذا هو سر التوست ماسترز: صنع القادة المؤثرين. لذا فإن شركة «يونايتد» حققت جزءاً من حلمي، وبقي باقي شركات سابك.
..وهذا البلدُ سيمتلئ بقادةٍ حقيقيين.