الثلاثي الفرح

سنة النشر : 06/08/2009 الصحيفة : اليوم

 
.. ولكن الناسَ من غير الفرحين.
 
.. قام رجلٌ أمريكيٌ بالضَّحِك على العالم عن طريق المراهناتِ المالية في بورصة نيويورك العالمية، وجمع خمسين مليار دولار، ضِحْكاً على ذقون أكبر عقول الأرض، وأقلـّها أيضاً.. ولقي أعظمَ عقابٍ تقدمه محاكمُ الولاية.. وبسرعة. مع التصرف بكامل أمواله.. أو ما بقيَ منها.
 
وقام رجالٌ كثيرون هنا بالضحك على الناس، ولا أستطيع تبرئة الناس صراحة، لأننا نحذّر دوماً من مغبّة الطمع، فكلهم اقبلوا بلا دليلٍ ماديٍّ ولا تاريخي ولا سمعة تجارية للمشاركة والمساهمة مع الثلاثي الفرح وغيرهم في المنطقة، ودفعوا الثمنَ غالياً، أو أكثر من غالٍ، لأن الغالي ما تبذله النفسُ للنفس، ولكنهم ضحوا بأغلى، بأموال أبنائهم، ومستقبلهم، غير ديون ستنتقل معهم ربما إلى قبورهم، إن لم تعُدْ لهم أموالُهم.
 
إنها مأساةٌ بالمساحةِ العريضة، مأساةٌ اكتملتْ الأركان.. على أن هذا لا يعطي ولا مبرّر بقدر شعرةٍ للثلاثي الفرح وغيرهم بأن يلعبوا هذه اللعبة، وهم يعلمون أنها لعبة إلى نهايةٍ محتومة، نهايةٌ مضرجةٌ بالدماء.. الذي جرى، يا ناس، وبالمعنى الحرفي، مجزرةٌ مالية ذُبـِحَ فيها الآلافُ، ربما أقسى من الذبح المفضي للموت، إنه الذبح الذي لا راحة فيه، لا حياة ولا موت.
 
ومازال الثلاثي الفرح، فرحين بنجاتهم، ولا نعلم سبباً مقنعاً ببقائهم يمرحون.
 
لم نرَ حملةً صحفيةً، واجتماعية، وجماهيريةً كتلك التي صاحبت هذا الموقفَ الشديدَ الحلكةِ والغموض والإبهام. كيف كبروا؟ لا نعلم! كيف انتهوا؟ لا نعلم! بل هل بالفعل كبروا، هل بالفعل انتهوا؟ أيضاً لا نعلم.. لا نعلم أي شيءٍ مع أنهم دخلوا جيوبَ الناس ونفضوها بعشرات الآلاف المكرّرة في النهار جهاراً، أمام عيون الجميع المفتوحة للآخر.. ولم يفسر أحدٌ، لم يعترض أحد، بلايينُ الريالاتِ اختفت كما تبلع المهابط السوداءُ في الفلك البعيد الأجرامَ العملاقة، بصمتٍ مطبق كأنه سكون الفضاء.
 
لو وجدنا تبريرا لأي شيءٍ في الدنيا، لا نجد تبريراً واحدا من إخراجهم من السجن، الذي يجب أن يكون عقابا، فإذا هو مرحلة لانطلاق جديد، لحريةٍ غير معروفة الحدود، ولا التبريرات، ولا المسوّغات، بل بكذبةٍ كبرى: وُعِدَ الناسُ بانهم سيستلمون أموالـَهم في شهورٍ محسوبةٍ، ثم عدّ المسحوقون الشهورَ حتى تعِبوا من العدّ، ويأسوا حتى من اليأس.
 
لقد انتثرت الدماءُ بقصصٍ تذيبُ الفولاذَ على هذه الصحيفة، وكنا نظن أنها ستكون من قضايا الأمّةِ الأولى، أو على أقل تقدير من قضايا المنطقةِ الأولى.. ولكنه حبرٌ أُريقَ.. وانتهى وضاع، كما أُريقتْ الدماءُ وشُفِطـَتْ في هوّةِ الفضاءِ الصامت.
 
ستبقى دموعٌ تعصر العيونَ حتى تأخذ لونَ الدمِ القاني، وسيتعذب الآلافُ في مهاجعهم يلاحقهم إذلالُ الديون، وخنجرُ القهر المثلومُ يلـِغُ في أحشائهم.. ولا ندري إلى أين ستؤولُ الأمورُ إن تـُرِكـَتْ تأخذ مداها حتى النهاية، فنهايةُ كل شيءٍ هو الانفجارُ.. أو الموت.
 
وما زالَ، لأمرٍ نجهله كلّ الجهلِ، الفرحون الثلاثة يتراقصون فرَحاً على أشلاءِ المسحوقين.