صعوباتِ الحياةِ

سنة النشر : 20/08/2009 الصحيفة : اليوم

 
الحياةُ صعبة.. هذه حقيقةٌ عظيمة. بل واحدةٌ من أعظم الحقائق.
 
فمن يرها حقيقة وير أن في عناصر الحياةِ الحتميةُ الصعوبةُ والمعاناة، فإنه سيقبل بالصعوبات، وسيتعامل معها، فيسيرُ مع الحياةِ، وتسيرُ به.
 
لمّا نرى الحياةَ صعبة، ونفهم أن الحياةَ صعبة، ونرضى بها، فإنها، وهنا فسحةُ الأمل الساطعة، لا تعودُ صعبة. إن القبولَ والتعاملَ مع صعوباتِ الحياةِ أولُ وأنجعُ الحلولِ لتسهيلها.
 
البعضُ لا يكترثون لهذه الحقيقة، لا يعترفون أن نواةََ الحياةِ هي من مادة الصعوبة والمواجهة، لذا فهم حريصون على الشكوى والأنين والبكاءِ، لأن مشكلتهم، بعينهم، هي أكبرُ صعوباتِ الحياة.. وكأنّهم يفرضون أن الحياةَ بطبيعتِها الأولى أن تكون سهلةً رخيّة.. بل أثبت الطبُّ النفسي وتاريخُ القصص البشريةِ أن حياةً ملؤها الرخاء والسخاء تؤدي إلى أخطر الإعتلالات العقلية والنفسية.. فسبحان الله.
 
لا، لستُ واعظا ولا معلـِّما، بل هذا درسٌ، كتلميذٍ للحياة، علمني إياه طفلٌ لا يتعدى الثانية عشرة من عمره.. منذ عرفته يوما في قارعة طريق تلك العاصمة الشرقية البعيدة أحببته من كل قلبي، وراحتْ مجهوداتي عبثاً في جعل والده السعودي يعترف به، ولكني أشكرُ هذه الفئة التي تجمعتْ تحت لواءِ «رابطة العودةِ للجذور»، وهم فئة من أولادِنا وبناتِنا المتروكين هناك، تضيع ثقافاتهم، وانتماؤهم، ودينهم..
 
ويضيعون في أسفل طبقات الحياة. وكان هذا الطفلُ، والذي قادني إليه مشكورا صديقـُنا المقيم هناك «أبو عبدالمحسن»، وله الفضل بعد الله في أن عرفني على كثير من أبنائنا المهجورين، يدور في الشوارع يشحذ يجر أمّه التي أعاقها المرضُ.. ثم ماتتْ.
 
كان اسمه «سام»، واتفقنا في الرابطةِ أن نغير اسمه إلى «سالم»، وفرح بالاسم وفرحَ بمعناه.. في هذه الزيارة كنت أتفقد أعضاءَ الرابطة التي تتشكل بصعوبة – ها أنا أشكو!!- ولم أعثر على سالم..
 
لذا اضطر أبو عبدالمحسن أن يقول لي الحقيقة: «سالم مصاب بمرض الرحمة، ولقد توافرت له تبرعاتٌ من خيّرين سعوديين ليدخل مستشفى أطفال متواضعا.. وهنا قفزَ قلبي قبل أن أقفز مع أبي عبدالمحسن لزيارة سالم.. كان المستشفى نظيفاً رغم قِدَمِه وتواضع تجهيزاته، وترعاه كنيسة عالمية- .. طيب.. لن أشكو!- وكانت الممرضاتُ والراهبات يَدُرْن في المستشفى كأنهنّ بلا أقدام بملابسٍ فضفاضةٍ تغطي الأقدامَ وبحركةٍ دءوب.
 
وصلنا لجناح مرضى الرحمة، وأخذتنا الأختُ «ماريا» ( راهبة) إلى حيث يرقد سالم.. نسيت أن أقول لكم أن لسالم موهبة أخاذة، فرغم صغره وتقطع ذهابه للتعليم، إلا أنّه موهوبٌ باللغة الإنجليزية، ويكتبها بخط جميل.. ويأخذ القلبَ ويدهشُ العقلَ وهو يتحدث بها، ( هه.. تلقى تعليمه المجاني في مدرسة القلبِ المقدّس للأخوات المسيحيات) ..
 
سالم كان هزيلاً أكثر من المعتاد، ولكن ابتسامته لا تخفى، والأغربُ بريق السعادةِ في العينين الصغيرتين.. عانقتُهُ، وتثبتتْ عيناي على لوحةٍ كتبها سالم وعلقتها الممرضاتُ فوق سريره، تقول: «أنا عندي السرطان.. ولكني أنا لستُ عنده.» .. واه! سألتُ الطبيبَ عن حالةِ سالم، فقال لي ببرودٍ: «لن يعيشَ إلا أيّاما».
 
فهبطـَتْ الأرضُ من تحت قدَمَي.. وقلتُ: «لا، بل سيُخلـّد طويلاً في عالمٍ أجمل.. إن شاء الله.» عدتُ لسالم، وسألته إن كان يريد شيئاً، فردّ علي بصوتٍ بجرس ملائكي:
 
- رمضان كريم.. لكم ولِ.. أبي!