المجتمعَ

سنة النشر : 22/08/2009 الصحيفة : اليوم

 
.. إن تجربة إيجادِ مجتمعٍ حقيقيٍّ متكامل، هي بإيجاد الطرق الفريدة في التواصل، تواصل أفراد المجتمع فيما بينهم، أن يتشاركوا بأفكارهم وآرائهم الصريحة بلا وجل ولا ترددٍ ولا خوف ولا عقدٍ في الإحساس بالذنب أو الملامة أو العيب، إنه التصارح من أجل الوصول للحقيقة، والحقيقة هي مفتاح كل الحلول.
 
وعندما تقرأ لعلماء الإنسان والمجتمع، تجد أن الجسدَ المجتمعي ينمو للنضوج، تماما بذات المراحل والظروف التي ينمو بها الجسدُ الإنساني.
 
وهذا النمو يجب أن يمرّ في مراحل صحيحةٍ وصحيةٍ ومنطقيةٍ وموضوعيةٍ حتى يكتمل النضج. وبما أن الفردَ هو عنصرُ المجتمع، فإن المجتمعَ عنصر الأمة، فأمةٌ بلا مجتمع صحيح لن تكون أمة خلاقة ومبدعة ومنافسة، إن الدولَ التي حرصت على بناء مجتمعها على التصارح والتكاشف والتكاتف هي التي أوجدت لنفسها مكاناً فسيحاً تحت الشمس.
 
ومن أصل التعليمات النبوية السامية أن يكون المسلمون كالبنيان المرصوص، أي أن يكونوا مجتمعا متساندا متكتلا مترابطا، تمر من خلاله تياراتُ الشعور المتدفق، فيشعر الواحد بحزن جاره وفرحه، فيشاركه الفرحَ والحزنَ، ويستشعر حاجتَه فيوفي بها ما أمكنه، ويوفر له الأمانَ والصداقة والتفاعلَ الإنساني الراقي. هذا هو الدرسُ الأولُ والأبقى لبناء المجتمع الصحيح المتكامل نحو أمةٍ متكاملةٍ وقوية، إنها الدافعُ لمحرك لتتسلم أي أمة موقعا رحبا تحت الشمس.
 
وقلنا إن المجتمعَ الصحيح أول شروطه أن يتواصل الأفرادُ بصراحةٍ ومحبة، يتبادلون أعمق أفكارهم وخواطرهم وآمالهم وتخوفاتِهم وحلولهم مع بعضهم البعض بلا وجلٍ وبلا ترددٍ وبلا تخوّفٍ، إن هذا التواصلَ هو الصمغُ الذي يربط النسيجَ المجتمعي، وعندما يضعف أحدُ عناصر هذه الخلطة التواصلية، أو كلها، فبصراحة مثبتة.. لن يكون مجتمعاً، بل سيكون عبارة عن أفرادٍ يعيشون جغرافياً على أرض واحدةٍ، تحت سماءٍ واحدة، لا يجمعهم شيءٌ آخر.. حينها لا أمل في بلوغ أي شيء.
 
هل نستطيع أن نقيس مجتمعَنا؟ بالطبع نستطيع، وذلك بطرح الأسئلة الصادقةِ على أنفسنا وتحرّي الصدقَ في الإجابة.. لنعرف بالفعل كيف نصنف المجتمعَ الذي نعيش فيه، لنعرف عن كونه مجتمعاً حقيقياً، أم ظرفاً جغرافياً.
 
هل نحن متحابون؟ هل نحن نتصارح بين أنفسنا بلا أقنعةٍ ولا شخصياتٍ مركبّةٍ؟ هل نفصح مع بعضنا عن آمالِنا وأفكارنا وأحلامنا وآلامنا الحقيقية بلا وجلٍ وبلا تخوف؟ هل نشعر ببعضنا البعض، فيساند القادرُ الضعيفَ؟ هل يسود بيننا التسامحُ والمزاجُ الرائق؟ هل نطبق ما نقول؟ هل نربي أبناءَنا التربية الحقة؟ هل تؤثر بنا العواملُ الخارجية بعيداً عن قيمنا الحقيقية؟ هل نحب الأرضَ التي نعيش عليها؟ ربما، وبصراحة، لا يمكن أن ندعي أننا الآن نعيشُ المجتمعَ الذي نحلم به لأنفسِنا ولأمتِنا. كيف نبدأ؟ نتبادل الرأيَ معاً الخميس القادم؟ حتى ذاك الحين، أعيدوا التساؤل مع أنفسكم مرارا.
 
وفقكم الله، وبارك للجميع صيام هذا الشهر والقيام بكل واجباته، وأعاننا على قضاء حاجاتِ الآخرين.. آمين.