العمل والعزم

سنة النشر : 04/10/2009 الصحيفة : اليوم

 
تعلمتُ من تجربة الحياة العملية للشيخ محمد العبدالله الحمد الزامل (ابو عبدالله)، أن أصحاب الإيمان والعزم لا يطلبون دليلا بأنهم سيحققون أهدافـَهم، وأن أولئك الخالين من الإيمان والعزم فلا سبيلَ لإثبات أي دليل!
 
كان أبو عبدالله بضاعته الكبرى ليست أموالا وأعمالا تركها أبوه الرائدُ- يرحمهما الله- الشيخ عبدالله الحمد الزامل، بل ترك معها جذوة إيمان في قلب ابنهِ اليافع، بعد أن رحل ووضع على عاتقه مسئولياتٍ جسام.. ليس أولها ولا آخرها مجموعة من الأشقاءِ والشقيقات الأصغر، وكان يجب أن يرعاهم كلهم من البداية حتى يقفوا على أرجلهم بكامل استعداداتهم لخوض ما ستعد لهم الدنيا، ويعدونه لها.
 
وكان شابا صغيرا، رغم قرب بعض محبيه وأصدقاء واقرباء أبيه، منفرداً في البحرين التي عاش بها كل حياته، وقدم لها الكثير كما قدمتْ له الكثير، وكانت تطلعاته وراء البحر القريب حيث موطنه الأصل، وآفاقه الواعدة، فشجع كل اخوانه واخواته من الصغر بأن أوان العودة للبلد الأصل قد أزف. وأخذوا معهم أول أمنياته: «حتى يعطيكم بلدكم، يجب أن تعطوه أولا وبلا توقع لرد العطاء، عندما تريدون من أهل بلدكم أن يحبوكم فيجب أن تخلصوا قبل ذلك لهم الحب قلبيا وعمليا ومشاركة»..
 
وكان له، بعد الله، الدورَ الرائد بأن حققتْ العائلة نجاحاتٍ كبرى يشكرون الله عليها ويحمدونه، ثم يشكرون وطنهم الذي كان نبع الخير لا لكي يملكوه بل من أجل أن يعطوا منه الكثير، واختاروا تحت قيادة الربان المتوارى خيارات من أصعب الخيارات وهي الصناعة، التي هي محك تقدّم اي أمةٍ.. وكان هذا عنواناً كبيراً لانتماءٍ للوطن وناسه، ثم عنوان من بعده للولوج لدنيا الأعمال الاحترافية الكبرى..
 
ولما تُوُفـَّى الشيخُ أبو عبدالله، كان اسم الزامل الناحل على لوحةٍ لوحّتها الشمسُ وشققتها الرطوبة في سوق البحرين القديم، قد صار اسماً يُصَف مع أكبر الأسماء التجارية العالمية.. لذا كنت أسأل نفسي، كيف ملك دليلا وقتها على كل هذا؟ كيف ملك دليلا على القيام بالخطوات الانتقالية؟ كيف ملك دليلاً على أن كل إخوته بلا استثناءٍ سيلبون النداءَ العملي داخل الشركة الحاضنة، وأن كلا منهم سيكوّن نجاحا تحت فرعه، لا يقدم الخدمات الكبرى فقط، بل يسترزق من خلالها آلاف العائلات؟ من المستحيل إثبات دليل كهذا، مستحيلٌ إثبات حلم مغيم بضمير المستقبل.. إلا لأنه الإيمان والعزم.
 
الإيمانُ كان بقلب «أبو عبدالله» راسخاً بسيط المعنى بلا تعقيد: «إعمل واصدق بعملك، وسيوفقك الله،» وأخذه من الله وعْدا.. وكان هذا خير دليل. والعزم كان لا بد أن يفيض من مكان واحد لا غير، من نبع في داخله، نبع العمل الجاد، ومن بوصلةٍ داخليةٍ نمت معه من تعاليم أبيه، ولكونه ابن سوق، تدلّه على الفرص، فيكون هناك في الوقت المناسب ليلتقطها باستعدادٍ مناسب، وقد أعد لها أسباب النجاح بالاستعداد الدائم..
 
كلنا نفقد اشياءَ في طريق الحياة ونكتسب أشياء، إلا ذاك الوجه الصبوح فرغم تعاقب وتلون الظروف، بقي شيءٌ لم يفقده أبدا.. ابتسامة تشع كالنور من قلبٍ أضاءته الأنوار. حتى في مرضه الصعب، التقيت به في البحرين ( وفي عزاء) ولم تكن الابتسامة إلا رسمه الشخصي وماركته المحمولة، وكنت لتوي تم اختياري عضوا في مجلس الشورى، واغتنم بروحه ذات البسمة الحاضرة تـَشـَابُه اسم والدي، مع اسم أخيه الدكتور عبدالرحمن عضو الشورى السابق، وقال: «ماذا نقول للناس الآن، سيظنون أن الأبَ ترك، وورّث كرسيه لابنه!»، ويُسقـَط في يدك، فالرجلُ يشيع روحَ التفاؤل والمرح وهو لا يكاد أن يقف مستوياً من مرضه، فلا تدري كيف تبتسم، ولا كيف تبكي.
 
على أن هؤلاء الناس أصحاب الإيمان العمل والعزم، إنما تختفي من الدنيا أجسادهم، ويبقون أحياءَ في القلوب والعقول، ومنجزات شاهقه تكون الآن هي الدليل الذي يسهل اثباته!