الشجاعةِ الأدبيةِ

سنة النشر : 08/10/2009 الصحيفة : اليوم

 
.. إن راحةَ الضميرِ القصوى هي أن تؤدي العملَ الذي أنت مسئولٌ بأن تؤدّيه، ولو تطلـّبَ ذلك الوقوف أمام عصفِ الرياح.
 
فالضميرُ الشجاع العادل عندما يبدأ باللوم فلن يكون هناك ألم ولا وجَع أحَدّ ولا أمرّ منه.. لذا فإن ّأصحابَ الضمائرِ الحقيقيين في كبـَد.
 
الذين يظهرون شجاعةً نادرةً في ساحاتِ الرأي، والمجاهرةِ بالدفاع عن الفكر الذي يرونه صريحاً، حقيقيّاً، وعادلاً، والذي هم به موقنون، الذين يتصدّون لما يجدونه في وجدانِهم وفي عقولهم باطلاً ذائعاً، ونقضاً للأفكار الخاطئةِ، هم الذين أناروا دروبَ الانعتاق الإنساني، من سلطة القمعِ، ومصادرة الرأي من منبعه الأول بالسلاحين العتيديْن : التخويف والمخالفة.
 
بعض أصحاب الشجاعة النادرة، قد يتوارَون، ولكن الشمسَ إن حجبها سحابٌ، لم تمتنع أشعتُها من إنارةِ الأجواء. بعضهم قد يغيب عن منصّةِ الحضور الكبرى، ولكن سينير كل زاويةٍ قصيّةٍ لم يصل لها طهرُ الضياء.
 
هؤلاء يعرفون أن لكل عملٍ مجيدٍ، وبطولةٍ منقطعةٍ من أجل الهدف والمقصد لخير البشرية أثمانا غالية، وهم عندما يضعون الرحالَ ليشقوا الدربَ في رحلةِ الحقيقة الشاقة يقبلون دفع الثمن قبل وضع الخطوة الأولى، وإلاّ لما في الأصلِ ساروا.
 
.. إنهم أصحابُ الشجاعةِ الأدبية. الشجاعةُ الأدبيةُ في أغلب الأحايين تجعل صاحبَها هدفاً عاماً لكل من بيده نشّابٌ وقوس يرميه على هدفٍ قريبٍ واضحٍ ويرقص نصراً بأنه أصاب، والحقيقة أن الهدفَ هو الذي تحرّك للسهم، ولم يكن رامي السهم ماهراً في الاقتناص. وجد هدَفاً سهلاً مكشوفاً فمارس قلة مهارته في قوة ظهور ووضوح ضحيته.
 
الشجاعةُ الأدبيةُ تقبل دفع الأثمان المُرّة الموجِعة، وقد يصحبُ صاحبَها الدمعُ والحزنُ، ولكنه لن يسمح للإحباطِ والتخاذل أن يجرّه من المرتفع الذي صعد إليه، فعيْنه دوماً إلى فوق، لأن القمةَ لا يعنيها ما يجري في السفوح. سيجد صاحبُ الشجاعةِ الأدبيةِ نفسَه قليلَ الأنصار، نادر الأصدقاء، وستجر عليه هذه الشجاعةُ من الأعباءِ ما لا يُحتـَمل في الأمور العادية.. إلا أنّ أصحابَ الشجاعةِ الأدبيةِ أكثر خلق الله نأياً عن العاديات.
 
إنها صفةٌ لحمُها وسداها، عضمها وعضلـُها هو التحمّل.. ومن بعده التحمّل. هم في سعادةٍ لا نفهمها نحن العاديين، سعادة الانعتاقِ من آلام التقصيرِ في مسئوليةِ أن يقوم بما يجب أن يقوم به.
 
هناك نوعان من الناس، في أقصى طرفي الحبل.. ناسٌ يسلمون أنفسَهم للتيار فليسوا هم من السبّاحين الحقيقيين، يعومون ولا يسبحون مثل المواد الطافية يجرهم التيارُ إلى حيث يشاء لا إلى حيث يشاؤون، وهو موقفٌ لا يتطلب مشقة، ولا يلقى تبِعَة. السبّاحون الحقيقيون هم الذين يختارون السباحةَ مع التيار متى كان في اتجاهِ مقاصدهم، لا مقاصده، وسيسبحون ضدّه مهما عتى وتسارع متى رأوا أنه سيوصلهم لأي شيءٍ إلا إلى مقاصدِ آمالهم، ومحطّ إيمانِهم.
 
وهم يعلمون أنهم عند النّصَبِ والتعبِ سيلتفتون خلفهم ولن يجدوا من يمدّ يداً لإسعافِهم.. فيرفعوا رؤوسَهم للسماءِ، ويواصلوا السباحة ضدّ التيّار.