عمّي الشيخ
سنة النشر : 12/11/2009
الصحيفة : اليوم
.. أصررتُ على الطفلِ الضئيلِ المنهكِ عند إشارة إحدى الطرق وهو يمدّ يدَه للسؤال، أن يجيبني ماذا سيحصل له لو لم يعد بحصيلة اليوم؟ وتردّد كثيرا.. وطلبتُ منه أن يأتي لي في ركن الشارع، واعداً إياه بما يريد.. ولحقني يجري.
ثم بدأ الطفل يتكلم: « أنا من عند الحدود، ( وراحت كل محاولاتي عبثاً أن أعرف أي حدودٍ، فالمسكينُ يعتقد أن الحدودَ اسمٌ لبلاد..) وجئت مع «عمّي الشيخ».. (ومن هو عمك الشيخ؟ وكانت إجابته غمغمة غير مفهومة، غير أن العمّ الشيخ كما عرفت من عيني الطفل الهلعتين وخوفه المستطير، الشيطانُ جُسِّدَ إنسانا..) ثم أن «عمي الشيخ» ينقلنا.. (من أنتم؟ فيجيب الطفلُ الهزيل أنهم كثيرون.
واكتشفتُ، للمفاجأة الحزينة، أنه لا يعرف أن يعدّ، بل لا يتصور الأرقام على أصابعه..)، و»عمّي الشيخ» عنده عصى بمسمار، يضربنا على أصابعِنا إن لم نحضر المبلغَ المطلوب، ويضربنا على ظهورِنا بالمسمار وعلى وجوهِنا إن لم نحضر شيئا..»، ثم بدأ ينشجُ ويبكي. طفلٌ هزيلٌ معدَمٌ جاهلٌ ضيقُ الأفق محرومٌ بلا حيلةٍ، وسيّئ المصير.. لا أظنه طيلة حياته القصيرة عرف طعماً للسوائل غير مذاق ملوحةِ الدموع.
وكان المنظرُ والموقفُ يدعوانك لغضبٍ، ولحزن.. ولكنك لا تدري أين تصبّ غضبَك، وعلى من، ولا تعرف كيف توظفُ حزنَك، ولا كيف تمنعه.. ولا تعرف أصلاً ماذا تعملُ من أجل الطفل الذي أعرف أنه سيموتُ قريبا ميتةً منسيةً بركن موحشٍ بعيد.. بعد حياةٍ مثل الموت.
وفي مصر.. «سعاد اسبقني»، طفلةٌ من آلاف الأطفال التي تلقيهم القاهرة في شوارعها كل يوم ليكونوا أبناء الأسفلتِ والمذلـّةِ والجهل، وأكبر أُميّةٍ بين الأطفال في العالم العربي.
وكانت «سعاد اسبقني» فتاةً صغيرة بشعرٍ أصفرٍ لم يعرف المشطُ منذ طلع.. بيضاء البشرة، متيبسة ومتشققة من فرط الجفافِ وضرباتِ الشمس، ولكن ملاحة الطفولة تطل عبرالآلام والإهمال من عينين واسعتين خضراوين ممتلئتين بقذىً تراكمَ على الأجفان..
وكان من عادتها أن تلحق السياراتِ التي لم يعطها من بها الحَسَنة، فتقول وهي تجري بجانبهم بأقصى سرعتها: « مش ح تسبقوني للجنة!»، مرّة تقدمتْ لسيارتِنا تطلب الحسنة المعتادة، وفجأة.. انتفضتْ برعشةٍ كصعقةِ الكهرباء، ثم وقعتْ. خرج أفرادٌ وكأنهم نبعوا من تحت لأرض، حملوها.. واختفوا.
أتيتُ عدة مرات أبحث عن «سعاد اسبقني»، ولم أعثر على أثرٍ لها.. ولم يطمئنّ قلبي حتى أقنعتُ نفسي بأنها.. سبقتنا فعلاً للجنّة.
إن الحفلَ الذي أقيم مساء الثلاثاء الفائت من قبل منظمة الطفولة العربية، ورعته مشكورة إدارةُ نادي القادسية بالخبر كان لهدفين:
الهدفُ الأول: لإشعار الناس بمعاناة أطفال العرب جميعا من الشرق للغرب،
والثاني: توقيع اتفاقية تعاون مع نادي القادسية في مسألةٍ اجتماعيةٍ يجب أن تأتي في قمةِ الاهتمامات.
وسمعتُ صوتا يناديني فالتفتُ وإذا هو الممثل السعودي المعروف «فائز المالكي» قادم بابتسامة تزيحُ الهمَّ، ، مشاركاً من أجل ما يؤمن به في إنقاذ الطفولة، وأكبرتُ لهذا الفنان هذا الشعور الكبير الجاد.
وقدم نادي القادسية، والممثل «المالكي» تجربتين حيتين، بأن الرياضة والفنّ لا يقفان عند حدود الترفيه، بل إنهما قلبٌ يتسع فيأخذ مساحاتٍ من العاطفة أكبر من مساحات الملاعب، وأبعد من تداول الأعمال الفنية.
يومٌ أُعلـِنَ فيه الحرب على .. «عمّي الشيخ»!