الفتاة الجدّاوية

سنة النشر : 03/12/2009 الصحيفة : اليوم

 
.. أضعنا أنفسنا يوم أضاعتنا صفحاتُ صُحُفِنا، ومراسلاتُ إعلامِنا بالتطبيل للمنجزات..
 
كلّ شيءٍ عدَدْناه إنجازا.. بينما أية مشاريع إنمائيةٍ هي من طبائع إدارةِ الدوَل، لا تعتبرُ إنجازا، ولا إبداعا، ولا ابتكارا، ولا مِنـّة.. بل واجباً ومهامَّ طبيعية لأمّةٍ طبيعية..
 
نُفْردُ الصفحاتِ حتى لأساطير المشروعات، ولكن بعد ذلك ماذا؟ هل نتتبعها؟ هل نقيسُ نتائجها؟ هل نقدِّرُ القيَم التي صُرفت عليها؟ هل نقيم الأخطاءَ والعيوبَ التي تحصل بعد الإنجاز؟ هل نُعلن عن الأخطاءِ بذاتِ الصيتِ وبعين الطريقة.. لا. وهنا يقعُ الخلل!
 
إن لم تكن الأمة تتفقدُ أخطاءَها قبل إنجازاتِها، فهي أمةٌ لن تُنجزَ أصلا، إن طبَّلَ الإعلامُ لمن يؤدون واجبَ عملهم فتصوّره إنجازاً، ثم نتعامى عن محاسبةِ المخطئين، ومعاقبة اللاعبين بأماناتِ الأمّة.. فهي أمّةٌ أعلنَتْ الحربَ على نفسِها، أمةٌ تضغطُ زنادَ الرصاص في قلبِها على قلبِها.
 
لو لم تكشف الأقدارُ، بإرسال الأمطار، الفسادَ والإهمالَ لما عرفنا حجمَ الإهمالَ والفساد، وكأن التفتيشَ هذه المرّة جاءَ من السماء. جاءتْ السيولُ لتكشف عن وجهٍ إداري بالغ البشاعة والأنانية، متجمِّد الإحساس، أعمى الضمير.. وكان الكشفُ إفصاحاً مريعاً كإفصاحات مشاهد العقاب القرآنية.. والضريبةُ أرواحُ الناس الذين كان يجب أن تُصان أرواحُهُم، ومفقودون بالآلاف كان يجب أن تُحمي مواقعُهم، وممتلكاتٍ بمئات الملايين كانت يجب أن تكون أماناتٍ تُحمَلُ على الأكتافِ ويُلـَفُّ حبلـُها على الأعناق. ولكن.. لم نكن نرى إلا صفحاتٍ وساعاتٍ تُخصص لأي مشروع.. ثم نكتشف أن بعضَ المشاريع برقٌ خُلـَّب، بل برقٌ متفجّر، ينثر صواعقُه مباشرة في روْعِ الناس.
 
لذا كان تدخل عاهلُ البلاد شخصياً في وضع حلٍّ حالي وحاسم بالتعويضات المادية المالية، ونرجو أن يكون تشكيل اللجنة التي أمر بها الملكُ عند مقاصده العليا في إثباتِ حالات الفساد وتخطيه إلى نظام شفافٍ قابل للرقابة والجزاء والعقاب.
 
اتصلت بي فنانةٌ تشكيليةٌ من جدة، وكانتْ على سطح بيتها ذي الثلاثة طوابق تنتظر طائرةً هليوكوبتر لم تأتِ.. لانتشالها وأهلها من السطح. وهذا كان أولُ خبرٍ وصلني عن كارثةِ جدة بعد ساعاتٍ من هطول الأمطار، ولم أصدّق.. ثم ثارتْ الأنباءُ، وكأن الذي يصير من توطئاتِ القيامة.. أمرٌ لا يمكن أن نعيه ونفهمه وندركه من الوهلةِ الأولى.. ودفع الثمنُ من وقعَتْ عليهم الأخطاءُ، ووجب أن يدفع من أوقع الناسَ في الأخطاء.
 
أعتذرُ لكل من يعتقد أني أتهمه بالفسادِ، أو أي جهةٍ، أعتذرُ ليس لأنهم أبرياء، بل أعتذر لأن المالَ السائبَ يعلـِّمُ السرقة، والقوانين السائبة تعلـِّمُ الاحتيالَ، والإفلات من المساءلةِ هو جنّةُ قراصنةِ الإدارة والمشاريع. في بعض المصالح يكون الفسادُ هو النظامُ الظِلّ، ولكنه الظلّ الأكثر حضوراً من الأصل.. وهو نظامٌ لأنه يُتعامل به بمبالغ محدّدة لمهامٍّ محددة، والدافعُ والمستلم يعلمان قيمتها فلا يتناقشان، كأنه نصٌ مكتوبٌ في كتاب. إنها مسألة بيئةٍ سلوكيةٍ، إنها نبتةٌ زُرعت وتعمقت جذورُها داخل تربة الأخلاق الإدارية.. أو انعدام الأخلاق.
 
والفتاة الجدّاوية كتبتْ فيما بعد: «وأنا في السطحِ رأيتُ ما لا يُصدَّق، ونسيتُ نفسي وآلامي، رأيتُ جثثاً تطفو وتحملها المياه، ورأيت أفراداً متعلقين على أعمدة أنوار الشوارع، وبعضهم ينزلق إلى الموتِ وصراخه يقلعُ القلب.. ورأيت طفلاً بين الحياة والموت ويصرخ ينادي أمه.. ليتني ما رأيت».
 
وهذا ما فطـَر قلبَ الملك، مما أدى إلى تدخله العاجل، على أن وليّ أمر البلاد يعلم أنه لابد أن تُردمُ منابع النار.. فستبقى النارُ ما بقيتْ منابعُها.