أشباحُ الآمال المتهاوية
سنة النشر : 12/03/2010
الصحيفة : اليوم
.. أتعرف كيف تعود الأرواحُ التائهة؟ أتعرف أين هي أرضُ الأحلام الضائعة؟ أتعرف كيف تتوقع ألا تتصور أن الحياةَ ترسٌ حاد يقطع كل يوم جزءا من وجودك؟ لن تعرف أنت، وأنا لن أعرف.. ولكني أعرف كيف تتحول أشباحُ الآمال المتهاوية إلى عرائس جمال، أعرف كيف ترِقُّ الأهويةُ السوداء، لتتماوج نسائم تضوع بعطور السهول المرشوشةِ زهراً.
أعرف كيف تتحول متاهاتُ العتمةِ إلى فسوحاتِ الأضواء.. أعرف كيف تتحول حالة تمتد لتلتقط الحسرة من أعمق مواضعها، إلى فرحةٍ تطبّق الآفاقَ مع الآفاق.
أعرف كيف يتحول الغضبُ والسؤالُ المحير حول ما نظنه نقصاً أو إعاقة، فإذا الله يرينا الجمالَ والمعجزة بإفصاح القدرة المبدعة..
عرفت كل هذا من أنيسة عبدالفتاح.. "أنيسة عبدالفتاح" معجزتنا التي كانت تسير بشوارعنا في الدمام شامخة، وكأن الجاذبية تحفّ بها، التي كانتْ تتعارف على الناس قبل أن يقفلوا أفواهَهم من الدهشة، ثم يغرمون بها حُبا.
عرفتُ أن القلبَ الكبيرَ لا يحدّ من حجم حبّهِ ولا حنانه ولا تفانيه ما قد يُخيَّلُ لنا نقصاً في الجسد، أو عجزاً في الاستطاعة.. وإذا الله يجعل من النقص كمالا، ومن غياض الظلام يتفجرُ الضياءُ أنهارا..
عرفت ذلك من "أنيسة عبدالفتاح" التي لم أتبادل معها كلمة واحدة، سوى رسالة في يوم منقولة عن قلقها علي، وهي التي بالكاد تعرفني، إلا فيما يعرفُ الصديقُ حلقة أقارب أصدقائه، ولكني تعلمتُ منها درسا وعبرة من أهم عبر ودروس الحياة؛ أن أكتشفَ الجمالَ، وأن أتلـَمَّسَ الاكتمالَ، مهما وصل الظنُّ إلى تخوم اليقين بأن الجمالَ غار، أو بأن الاكتمالَ حار. خُلِقتْ "أنيسة عبدالفتاح" بلا يدين، ينتهي الكتفان إلى الهواء.
وإذا هي أخفّ الأرواح وأرهفها.. كالهواء. عاشت عقودا، لم يرها أحدٌ إلا باسمة مستبشرة متفائلة، شجاعة غير هيابة، ثم عوضها الله إصراراً لا يلين ولو لان الفولاذ، فاستعاضت عن اليدين بأصابع القدمين حتى أنها اكتسبتْ من المهاراتِ الفائقة، والفنون الدقيقة، والاستطاعات المركبة، والعمل الانكبابي، ما يفوق من اكتملتْ لهم الأطرافُ.. فسبحان من خلقكِ إعجازاً جميلا، خفيفاً، مرحا، هفهافا، حنونا، يا أنيسة..
يقال إن من تنقصه أطراف بل حتى جزء واحد من طرف واحد يلزمه من يساعده ليقوم بشأن يومه.. إلا أنتِ يا أنيسة، تعديتِ العادية إلى الصعوبة إلى معجزة الله التي يكشفها الله متى أرادنا أن نرى معجزاته تسير في ركب البشر، في مسارات الحياة، فإذا أنيسة هي التي تقدم العونَ والحدبَ والرعاية المكرسة لأمها، ورعت أخاها في مرضه، وكانت معهما حتى انقطع في الجو الزفرة الأخيرة.
"أنيسة عبدالفتاح" عملت وتوظفت، لكن ماذا عملت وماذا أدت؟ كاتبة في مدرسة، نعم وعلى آلة طابعة. وتنهي أعمالا لا ينهيها شخصٌ واحد.. أنيسة عبدالفتاح تصنع لوحاتٍ فائقة بالمواد اللاصقة والحياكة الدقيقة بأصابع قدمها، ويتناقل الناسُ كيف اعتزّ بها الملكُ الراحلُ "فيصل" حين حاكت وطرزت ووشت له لوحة مذهلة قال الملكُ فيصل عنها إنها من أجمل اللوحات التي رآها في حياته.. ولكَ أن تتصور ما يرى رجلٌ مثل فيصل بن عبدالعزيز .
رعت أنيسة أخواتَها، حتى صارت في العائلةِ ظاهرة للتفاني في الرعاية استهداءً بها، فعاشت معها ابنة أختها معها ترعاها وتخدمها حتى وهي قد تزوجت، وما تقوم بذلك إلا بطاقةِ حبٍّ جاءت من المولد الكبير في أنيسة؛ قلبُها! ولكن قلبُ انيسة توقف، بعد أن توقفت كليتاها..
وإني من فعل الخيال الآمِل، ودوافع جماليات الصور التي تعلمتها من "أنيسة عبدالفتاح" أمسح دموعي التي لم أتحكم بها ولكن وكأنها غشاوات الدمع بما تتركه أنيسة من انطباع فائق لأرى خيالها وقد نمى لها جناحان أبيضان في كتفيها تطير بهما نحو سماءٍ صافية الزرقة.. سماء الخلود.
وبإذن من خلقك فأكملك يا أنيسة، فإنك بمشيئته ستظللين كل من أحببتِ وكل من أحبك تحت جناحيكِ في الفراديس.