بيت الحكمة

سنة النشر : 21/03/2010 الصحيفة : اليوم

 
.. لا أحد يشتدّ عودُهُ، وتقوى شكيمتُه، ويتبلور عقلـُهُ، وتنضج تجربتـُه وهو في حضن الدلال، ومراتع السهولة والارتخاء. على الفتوةِ أن تكون فتوةً حقاً، تفور بالحياةِ، تفور بالفكرِ، تفور بالطاقة، التي توجَّهُ كعناصرِ القوة لاقتحام العالم..
 
وأهم ما سيطلقهم بأجنحة خفاقة في ضمير السماء، الإيمانُ بأن هناك مصاعبَ وأن هناك عقباتٍ، ولكنها الحافزُ لإذكاءِ التحدّي، كما العمل المضني في الرياضة والتمرين يبني مزيداً من العضَل.
 
وهذا ما كنا نتحدث عنه، جوقة « المفكرون الثلاثة» وأنا، وهم استلهموا اسمَ تجمعهم من القصة الشهيرة «الفرسان الثلاثة» «لإسكندر دوما» الأب.. وأعطيتهم صفة «الجوقة» لإضفاء المرح الفكري، فالفرسانُ الثلاثة كانت أداة بقائهم هي السيوف..
 
والمفكرون الثلاثة أداتهم هي الفكر، العقل. وكان الموعد الذي سرقته من وقتي لهم نصف ساعة في فندقٍ بمدينة الخبر، فإذا هم يذهلونني في ساعتين، ليس بمدى معلوماتهم، بل بالضنى والجهدِ والانكبابِ والمواصلة في التعلم والقراءة..
 
كلهم تعلم بجهدِهِ الذاتي الفرنسية والإنجليزية حتى صاروا يقرأون بهما ويكتبون بهما، بل أن ثالثهم يجيد الألمانية، وكان حديثـُنا حول فلسفة البافاريين الكبار شيئاً كالخيال.
 
إنهم شبابٌ عملوا على أنفسِهـِم، لم يتعدى أكبرهم السابعة والعشرين بأي حال، ومع أنه مهندس ويعملُ بشركةٍ مرموقةٍ، إلا أنه يقدم دروسا في الأدبِ المقارن في البحرين بمعدل 4 ساعات أسبوعيا..
 
والثاني يقدم دوراتٍ تدريبية، وهو محجوزٌ الآن كل العام، مع أنه لم ينه الجامعة لأن حادثاً مؤلما غير كل حياته، هذا الشابُ بالذات أظنه في ربيعه الثالث والعشرين، أما الثالث.. الثالثُ هو حديثنا اليوم.
 
إنه شابٌ ساهدُ الطلةِ، ابتسامته واثقةٌ لا تغيب، في منتهى الجديّةِ، والابتسامة غريبة فهي تعبر عن ارتياحِه، وأحيانا عن تصميمِه، وأحيانا على احتجاجه، وهو الذي طلبَ الاجتماعَ وسمّاه عاجلا..
 
والموضوع: «ما العمل بمن صار يشككنا في ماضينا ويعتبرنا وكأننا إضافة دودية في العالم؟» وكان من حسن الطالع أن هذا موضوعي من زمن، وسبق أن كتبتُ عنه هنا كثيرا، في استقاء مصادر الإنهاض العربي الإسلامي من المراجع الغربية، ومن المراجع الغربية غير الإسلامية، وأشط أحيانا لتكون حتى البعيدة عن المدارس المتخصصة مثل كتب «برنارد لويس» شيخ المعارف الإسلامية في الغرب، أو الاستشراقية..
 
وهذه الأيام يروج كتابٌ جميل، من جملةِ أكثر من عشرين كتابا خرجوا هذا العام حول الحضارة العربية، لكاتبٍ اسمه «جوناثان ليون»، وعنوانه ( بيت الحكمة House Of Wisdom) إلا أن هذا الكتابَ لا يكتفي بقصة الحضارة العربية فيضيفُ بأنها المرحلة التي ابدعتْ العلمَ الحقيقي لنهضة أوربا فيما بعد، بل قال لو أن الحضارة الإسلامية لم تكن، لسقط العالمُ في هوةٍ فراغيةٍ من الجهل لا نعلم كيف سيكون مسار التاريخ بعدها، وقال: إن «العلومَ الإسلامية كما أسماها Sciences of Islam» هي وراء قيام العقل التجريبي العلمي الذي فتح لأوربا بوابات الشمس المعرفية، وأن الغربَ عالةٌ على العلم التجريبي العربي، وقال هناك أسماءُ علماءٍ عربٍ ما زالت كالأيقوناتِ المقدّسة في الجامعات الغربية..
 
الشبابُ قرروا أن يتحدثوا ليغالبوا التيئيسَ، ويثبتوا أنهم يستطيعون أن يقتحموا العالمَ مرة أخرى، ليس من فراغ، وإنما إنطلاقاً من تجربة أثبتت يوما أن العقلَ العربيَّ إبداعيٌ، وصار الآن صَدِئاً، ولكن ما زال المعدنُ القويُ تحت الصدأ.
 
أذهلني «المفكرون لثلاثة»، واستأذنتهم أن أخبر الناسَ عنهم، فقالوا: «أخبرْ عنا، ولا تفصح بأسمائِنا، فما زلنا على عتبةٍ صغيرةٍ على بوابةِ قصرٍ عظيم، ولا نريد أن يراودنا شعورٌ يلهينا عن دخولِ القصر.»