المدارس الأهلية

سنة النشر : 28/03/2010 الصحيفة : اليوم

 
.. لما شرّفني الأستاذُ «فيصل الشريف» رئيس مجلس منتدى تجمع إدارة الأمن الصناعي في شركة أرامكو، بأن أكون متحدثا رئيسا في تجمعهم السنوي الذي ربا عن ألف شخص، في قاعة الأندلس بالدمام، مرت عليّ فترة قبل ذلك، وأنا أتساءل : ما الذي علي أن ألقيه وبالإنجليزية على مئاتِ الأشخاص في أكبر شركة بترول في الدنيا، وفي طيف واسعٍ من العقولِ والجنسيات والجنس..
 
فكرتُ بشيءٍ يكون قاسماً مشتركا في كل عقل، في كل ضمير، في كل جنس وجنسيةٍ، ومشربٍ، وذوقٍ، وطبيعةِ مزاجٍ، وتكوينِ عقائد وعادات..
 
فكان أن استقررتُ على «المباديء»، واطمأنّ ذهني ـ الذي كدَدْتُه في البحثِ ـ إلى أن المبدأ هو قاسم البشريةِ المشترك. المبدأ هو الذي يمكننا من أن نعيش حياةً يسري فيها الحيوية والعنفوان العادِلـَان، وأسمَقُ الانتصارات، لكنها حياة مليئةٌ بالمخاض العسير، مزروعة بالأثلامِ والشوكِ والزجاج، وأن تحافظ على المبدأ لتصل انتصارك النهائي مجدٌ للنفسِ داخليٌ يشع برؤاك وتصوراتك ونظراتك للخارج، وسيتطلب قوةً وصبراً وجَلـَداً.
 
وأهلُ المبدأ هم من يجالدون، ويقفون للحظةِ الأخيرة على الهاوية السحيقة، ولا يتنازلون.. فأحياناً يكون المبدأُ وكأنه من صفاتِ المصير. فأهل المبادئ في كبدٍ ومعاناة، خصوصا لما تكون المجتمعاتُ متخلفة في المباديء.
 
والمبدأ ليس ديناً، إنه عقيدة ذاتية تستلهم الدينَ، تستلهم الإيمانَ، من أجل تعزيز ما وقر في النفس، وما تجذّر في الطبيعة، وما تماهى مع الروح من اليقينِ في المبدأ. بعضٌ من الذين يكرههم بعضُ الناس، أو السلطات، أو بعض أولئك القابعين في السجون، كانوا ضحايا لمبادئهم، أو لثباتهم على المباديء.
 
إن المبادئ تُقام، وأصحابُها يعلمون ذلك، مثل المذابح في الديانات القديمة، تقدم عليها ولها القرابين للتطهير والصفاء.. هذا ما عمله «الفراعنة» عندما جعلوا النيلَ ضريحا لعرائسِه، وهو ما فعله «الأزتيك» على رؤوس الجبال في أمريكا الجنوبية، وفي مهابط الشلالات.. ومن يقدَّمَون كقرابين يجب أن يكونوا من أزكى النفوس.
 
وتصلني رسالة في الموقع الإلكتروني حول مقال الخميس الماضي، من قارئةٍ تشكو التفرقة والظلم في نظام الخدمة المدنية، وهذا أمرٌ صارخ الظلم، وفيه من القهر والانسحاق الكثير، خصوصا أنه يصيبُ طيفاً واسعا من معلمات ومعلمي الأمّة.
 
أما في المدارس الأهلية، وهذه قصة مؤلمة أخرى، أو تحت ظل ورعاية وسمع الأنظمة الوظيفية المدنية الرسمية، أما في العقود المؤقتة أو ببند الأجور المصاب بفقر دمٍ مزمن، ثم نطلب منهن ومنهم أن يخرجوا أجيالا صالحة ونافعة؟! كيف لمقهورٍ وغاضبٍ ويائس من الداخل أن يُنهـِضَ طلائعَ الأمّة؟! هيهات.. إلا أن كانوا من أصحاب المبادئ، ولعلّ أمنيتي حقيقية، بأن كثيرا منهم من أصحابِ المبادئ، فهم رغم مكابدتهم لا يستطيعون إلا أن يؤدوا واجبهم على التمام.
 
وهنا لك أن تسأل : أليس المسئولون من أصحاب المبادئ ؟ كيف يرضى صاحبُ مبدأ حقيقي وثابت، بأن تكون هناك تفرقة، وضعف في الأجور وتجميد في التطور والترقيات؟ كيف يرضى قبل ذلك أن يعمل هؤلاء الموظفاتُ والموظفون، المدرسون والمدرّسات لخدمة هذه الأمة وشعبها بالوجه الأكمل، وهم يأكلون المرّ، ويتجرعون العلقم ؟ لقد قلت للأرامكويين : إن من أقوى المباديء هي تعاملنا مع الآخرين، أقوى مبدأ تعلمناه من ديننا الأروع والأحكم : «أحب لأخيك ما تحب لنفسك..».
 
مبدأ لو طبقناه لما تفشى الفسادُ، والأُثرةُ، والواسطة، والتماهل، وسوء التنفيذ, و»أنا.. وليأتي بعدي الطوفان!». لذا فإن من بقي على مبدأٍ ـ رغم المجاهدة الوقتية ـ هم الذين بقيتْ أعمالـُهم مصابيحَ مضيئة تنير دروبَ تاريخ البشرية.
 
كيف تحتضنُ طلائعُنا المباديء؟ أترك ذلك للمربين.. أصحابُ المباديء!