قوة القراءة

سنة النشر : 01/04/2010 الصحيفة : اليوم

 
.. هل تعلمُ قوة القراءة؟ بل، هل سألتَ نفسَك يوماً هذا السؤال؟ هل تصدق أن القراءة صارت مادةً يعكف على دراستها معملياً وبحثاً مهتمو وعلماء علم الأعصاب؟ خصوصا تلك العصبيات الصغيرة النشطة في الدماغ..
 
يقول العلماءُ إن كلّ معلومةٍ جديدةٍ تـُقرَأ في جوٍّ من الاستغراق الممتع تعطي شغلا في الدماغ مُبَهرَجا مثل كرنفالات «ريودي جانييرو» بالبرازيل، مهرجاناتٌ من الأضواء الكهربية، وأفراح النيوترونات تزفّ المعلوماتِ بين أطراف ملايين اللواقط على حواشي الدماغ، وإنه لمشهدٌ حركيٌ ضاجٌ يجعل منطقة الدماغ حفلا تتطاير في أرجائِهِ ألعابُ الضوءِ والكيمياءِ والحركةِ ووميض الكهرباء..
 
السرُّ، كما يقول العلمُ الذي يبحث بأثر القراءةِ بيولوجياً علينا، هو هذا الشعورُ العميمُ الشاهقُ التأثير يغمرك أمام أيّ كتابٍ تقرؤه، وتتمتع بقراءته- وهذا شرط- حين تنفتح مغاليقَ أدمغةٍ أخرى أمامك، فإذا أنت تضع خطوةً في عالمٍ آخر، بل عوالم أخرى، وإذا الحياةُ لها ألف زاويةٍ وزاويةٍ جديدة ومستجدّة..
 
ينفتح أمامك عقلُ المؤلّفِ، فإذا أنت، حُراً طليقاً، تجولُ به كما تريد، وتنفتح أمامك عقولُ أبطالِه وشخصياته، فأنت في عوالم البدع والطرفِ والفائدةِ والإدهاش والإبتكار والخيال والعلم والرأي، كلها طيوفٌ رافلة بالجـِدَّةِ والإبهار، والسحر والانسحار..
 
لذا فعقلُ من يقرأ عقلٌ من أنشط العقول، وشيءٌ مهمٌ آخر يأتي مع الصفقة.. أسعدُ العقول! يقول لي الدكتور «عبدالله الربيش» مدير جامعة الدمام، ونحن ننتظر بالبرهة قبل دخول القاعة التي سندخلها مع طلبة الجامعة، وهو جذِلٌ، وتطلّ بسمتُه الفخورة من ملامحِهِ الجادّة: «هُم ( أي الطلبة) الذين جاءوا إلينا، واقترحوا نادٍ للقراءة في الجامعة بمشروع جاهز، وأفرَحَنا إقدامهم على هذا.» والذي أفرح الدكتورُ الربيش، أفرحني..
 
لذا أخذتُ دعوة الطلبة عن جدٍّ، وكأني سأقدّم بحثاً متقدّما عن القراءة، أمام لجنةٍ تحكيميةٍ عاليةِ المقام، نهائيةِ القرار. فبدل أن أطلق للارتجال حبلَ الانطلاق بسجيّتي، قررت أن أدوّن معلوماتي على ورق، فتعلمتُ أن أصبّ أفكاري وأقولبها، وصحيح أني خرجت عنها كثيرا في القاعة، فذاك كان بحكم العادة، وبتحفيزٍ من حماسةٍ همـّازةٍ بفعل تجاوب الحضور من بناتٍ وشباب، وقوة عقولهم.. وسعادتها. كلهم عقولٌ قارئة، وبحجم من الإطلاع والثقافة مهما حاولت ألا أتفاجَأ، إلا أن المفاجأة تهجم عليّ بكل اتجاه.
 
الدكتور «أحمد السني» شابٌ في وجههِ طلاقة الفرحة وكأنها من خَلـْقِه، فلا عجب أن يكون المشرفُ على نادي القراءة لطلبة جامعة الدمام، وألقى خطاباً يمكن أن يدوَّن في جماعة الخالدين بمجمع اللغة العربية، والفتى «سلطان الإبراهيم» تتوهج ابتسامته اليافعة، فهو منسق النادي، وهو المُلِحُّ المتابع.. وهو عقلٌ قاريءٌ سعيد.
 
لقد رأيتُ السعادة بوضوحٍ تنبعُ من مظانّ المعرفة، وتعلمتُ درسا واقعيا من عقولٍ يافعةٍ، وكنتُ أحسب نفسي أني أنا الذي سأقوم بذلك الدور. وتكلمنا في معظم مجالاتِ المعرفةِ معاً، في مدارس الأدبِ الغربي والعربي، والأديان، والفلسفة، واللغاتِ القديمة، والقصةِ والطرفةِ والتراثِ والعلوم الفلكية، وفي الطبّ، والرياضيات، وسيرة العلماء والمفكرين الذين رسموا للبشرية مساراتِ تاريخها الحضاري..
 
وأنا أقول «معاً» لأنه نقاشٌ نبع منهم ومعهم.. في الغد، كنت متكلماً في نادٍ أيرلندي خاص لمعجبي «أوسكار وايلد»، يقوم عليه بعض المهتمين في البحرين، وكان سيكونُ مثيراً بالفعل، لولا أثرُ الوهج القوي، والطيف اللوني الباذخ، الذي بقي عالقاً في وجداني بعد لقاءِ البارحة التي قبله مع طالبات وطلبة «جامعة الدمام»..
 
فمعذرةً يا أوسكار!