نسّـاي
سنة النشر : 04/04/2010
الصحيفة : اليوم
(ليس هناك أكثر إثارة للشفقة من كذابٍ.. نسّـاي!) الكذب أكثر صفات البشر ذيوعا، ولا ندري أيهما يتبوأ عرش الصفات اللافاضلة هو أم النفاق، ولعلي أجمعهما في صفة واحدة لأن النفاق بضاعته الوحيدة الكذب، فلا مانع من امتزاجهما لأنهما بالفعل كذلك، ولعلنا لا نحيد عن جادة الصواب إن قلنا إن أيا منهما بما أنه هو متبادل مع الآخر بكل السمات فسيكون مستحقا لتاج عرش الصفات، وهو تاج من أفضل الأشواك المنتقاة في العالم.
.. ولكن، هل نجرم كل الكذابين؟ لا! فهناك كذب لا يضرنا ولا ينفعنا وبالتالي فإننا نخرجه من صفة الكذب الحقيقي ملك الصفات اللافاضلة، فإن أنقصَتْ الفنانة صباح عمرها نصف قرن أمام الناس فهو شأنها، ولن نؤاخذها عليه، كما لن نؤاخذ من يقول لنا كلاما يطرينا فيه إطراء محلقا، وهو يعلم أننا لسنا أهلا لذلك، ونحن أيضا كذلك، نعلمه!
ولكننا بالفعل نزدري، الذين يكذبون ليموهوا على أفعال شائنة، وهم بالكذب يخفون جرائمهم، وبالتمويه يجمِّـلون هذه الجرائم. هؤلاء الناس الذين يكذبون ليحشوا مالا أكثر، أو يكسبوا سلطة أمضى.. هؤلاء يجعلون الناس يزدرونهم، ويبغضونهم، وحتى أحيانا يكونون السبب الأول وراء الثورات! والكذب صفة قديمة ثابتة في الإنسان ولكنها تتغير فقط بمقتضيات العصر والأوان، كما كان يفاخر البدوي بعدد غنماته، وكرمه، وقبيلته، وحصانه، يفاخر الآن أي واحد منا في الدمام وجدة وغيرهما من المدن بسيارته، وعدد بشوته، وعدد الدعوات التي يتلقاها، وأصدقائه النافذين في الإدارات والأعمال.
ولا يظن أحدكم أن الكذب زاد معدلا عن الماضي، ولكن زاد عدد مرات سماعه، لأننا صرنا أكثر تعدادا، وبفضل هذا الإعلام الصاخب من التلفزيون والسينما والصحف الذي أضاف للكذب أبعادا لم يحلم بها أكذب الكاذبين، كما أضاف الكذب أبعادا لوسائط إعلام الإثارة، لم يحلم بها أوسط الوسائطيين! وكل الفعاليات البشرية مطوي فيها ذخائر من الكذب ورفيقه المقيم الأسطورة، وأساطير الصينيين أكذب الأساطير في الدنيا، عن التنانين النارية، والكهنة الطائرين، والأوز الذي يحمل النجوم، وينافس بنيافة امبراطورية كل أكاذيب الميثولوجيا الإغريقية.
وأختم بكذبة ستالين المعتبرة حين قال: «كل كنوز الأمة لا تساوي حياة فردٍ واحد من الشعب» ثم، بدم بارد، قتل 40 مليون فرد من شعبه!. وكذبة «جوزف ستالين» أعنف وأكبر وأوحش وأنذل كذبة في التاريخ، ولكن حتى هذه النوعية من الكذب ما زالت مستمرة.. وكما ترون أن حالات الأكاذيب أطول وأبقى الأقدار التي يحملها التاريخ ويرثها لقرن وراء قرن!