لستُ أنا المعاق
سنة النشر : 11/04/2010
الصحيفة : اليوم
.. في مثل هذا اليوم من العام 2007م وصلتني رسالة على بريدي الألكتروني، بعد أن قرأتها لم تعد حياتي كما كانت عليه.. تغيرت تماماً.
الرسالة زرعت لي روحاً وطاقة جديدتين. الرسالةُ التي أيقظتني على وعي جديد، وعالمٍ جديد، ومعاناةٍ جديدة..هي أهم رسالةٍ في كل حياتي - حتى الآن على الأقل- من شابٍ اسمه ناجي الأحمد..بالكاد جاور دورةَ الشبابِ من دور الطفولةِ، كان في السابعة عشرة من عمره.. كان ناجي عبقرياً بكل ما تعطيه العبقرية من وهج الإبداع.
كانت لغة الرسالة من أجمل ما قرأتُ في جمال اللغة العربيةِ وإتقان أدواتها، وفصاحةِ تعابيرها، ولفح العاطفة الذي يلسع القلبَ بالمباشرة الحارقة.. كان أديباً، شاعراً، رساماً، مفكراً، ونحّاتاً تخرج في الثانوية، وسدّت أمامه أبوابُ الجامعاتِ والمعاهد.. وكان بحثه عن العمل دراما تكتب بالأبـَرِ على مآقي البصر..ألا يكفي أنه كتب: "وأن مديرَ إحدى الشركات دخلتُ عليه بمحرابه بعد طقوس المواعيدِ الجليلة، وإذا هو يتناول طعامَ الإفطار، فصرخ بوجهي كمن رأى شبحاً:"اخرج، قطعتَ شهيتي عن الطعام.." لأنه كان على كرسي..كان اسمه ناجي أحمد.. كان مُقعـَداً.
فوضع ناجي قصيدةً تدمي الصخرَ الأصم بعنوان "لستُ أنا المعاق"..وثارت في الانترنت. وُجـِد "ناجي" مغمى عليه في احدِ فنادق الرياض البسيطة، ونُقل لمستشفى الملك فيصل التخصصي..ليُشخَّص بمعاناته من مرض الرحمةِ المتأخر. علم ناجي أنه سيموت ..وبقيت لديه فرصة أخيرةٍ لعملٍ أخير، فاختار أن يكتبَ لي تلك الرسالة، وكان أول سطرٍ بها : " أكتب إليك آخر كلماتٍ في حياتي..أكتبها وأنا أحتضر، أكتبها وقد يشاء اللهُ ألا أرى هذا الفجر.." ويبدو أن ناجي لم يرَ ذلك الفجر..
كانت وصية ناجي: "أوصيك بمن تطلقون عليهم بالمعاقين، فهم طبعاً معاقون لماذا؟ ليس بما قدّره الله لهم، ولكن بما لم يقدروا عليه لأن الناس، المجتمعَ، النظامَ، حال دونهم ودون هذا الاقتدار..قبل أن أرحل الرحلة الأخيرة أتضرع إلى الله أن أكون قد اخترتُ اليدَ الصحيحة لأضع بها أمنيتي الأولى والأخيرة: "مجتمعٌ يعيش به أصحابُ الإعاقات، لا يعيشون عليه، لا يعيشون على هامشِهِ، لا يعيشون تحت ترفـُّعِهِ وقهرِهِ..فهل تعطيني هذا الوعد؟": "وأعطيت ناجي ذاك الوعد.." تنفيذاً لوصية ناجي لم أترك مناسبة، أو حَدثاً، أو مؤتمراً، أو مناسبة، أو عملاً إلا وكانت وصية ناجي هي التي تدفعني.. وحضرت في الأسابيع الماضىة، وشاركتُ، وأدرتُ جلساتٍ، في فعاليّات الإعاقاتِ الحركيّةِ والذهنية..في ثلاثة بلدان.
وصرختُ في مؤتمراتنا الداخلية أيننا كلنا؟ هل خوفاً كما - قيل لناجي – من إفساد شهيتنا؟ ولكن هناك أفرادٌ يعملون، ولن يتوقفوا، أعرف ذلك..أعرفه بكل يقيني على أن ربّ ناجي.. ربّنا، لن يخذلنا.. أتساءل دائما لماذا انتشر ما كتبته عن ناجي في كل الأمّةِ لتقام باسمه المؤتمراتُ في الأردن، ومصر، ولبنان، والجزائر، والمغرب، وأبو ظبي، وملقا، وباريس، وأنا لا أزن شيئاً قيمة ومعرفة تثير كل ذاك، فوصلتُ لهذه القناعة أن الله مهّدَ لي أمراً أعلى من قدراتي لكي أنقل رسالة ناجي ووصيته.
هل أريح كتفي؟ لا أستطيع..ولكني سأضع ذات الثقل على أكتافِنا كلنا كي نعمل معا لتحقيق وصية ناجي يرحمه الله: "مجتمعٌ يعيش به أصحابُ الإعاقاتِ..لا يعيشون عليه، لا يعيشون على هامشِهِ، لا يعيشون تحت ترفـّعِهِ، أو عطفِهِ، أو قهرِهِ..كراماً، أحراراً، عاملين.."