المانجروف

سنة النشر : 20/05/2010 الصحيفة : اليوم

 
بالرغم من وجود الشجرةِ حولنا، إلا أننا قليلاً ما ندرك عظمَ أهمية وجودِها في منظومتنا البيئية الكونية .. والشاعرُ السنسكريتي (اللغةُ الهندية الأثَرية) ينشدُ قصيدةً يتغنى بها بـ»أمِّهِ الشجرة»، حيث يقضي أتباعُ «البراهما» جُلَّ حياتِهم تحت شجرةٍ عملاقةٍ، ثم تتلبسُ روحَ البراهمة الأقدمين كما في اعتقاد «الهندوك». وهنا أبياتٌ من القصيدة، أترجمها مُرْسَلـَةً من النصِّ الإنجليزي:
 
الشجرةُ ريحُ الحياةِ بحفيفِ الأوراقْ
 
واخضرارٌ للحبِّ في قلوبـِنا، برّاقْ
 
وهي الطبيبُ، وهي خزانةُ الترياقْ
 
=تروي قصصَ اللقاءِ، وحكايا الِفراقْ
 
تزرعُ السلامَ بالنفوس وتمنعُ الشِقاقْ
 
وتُؤوي الوحشَ، وتطعمُ طيورَ الآفاقْ
 
والأشجارُ يثبت العلمُ كل يوم أن لها فوائدَ جديدة، وبقيتْ فوائدُ لا نعرفها الآن وستنكشفُ رويداً في المستقبل. وعندما نشير للبيئةِ فأول ما تتصوره عقولـُنا هي الأشجارُ، ونتكلم عن النقاوة في الهواءِ، فيتبادر لنا في التوّ ما تمتصه الأشجارُ من كمياتٍ هائلةٍ من ثاني أكسيد الكربون .. بل إن أشجاراً متجمعة كغاباتٍ هي ما يعطي للطبيعةِ توازنها، وللحياةِ استمرارها.
 
والأشجارُ هي مدافعُنا الأولُ، هي الجنودُ المتجمِّعة في الخنادق الأرضية المتقدمة ضد ظاهرةِ الانحباس الحراري الكوني .. فوقَ أنّها مصدر للإلهاماتِ، ورقة الجمال، وبواعثِ الخيال، وإمضاءاتِ القريحةِ الإبداعيةِ البشرية.
 
إن حركةً كبرى تعمّ شعوبَ الأرضَ هذه الأوقات، حركةٌ تهدف إلى حماية البيئة، وصيانة هذا الحزام الايكولوجي الذي يحفظ لنا بقاءَ النوع البشري، وكلّ أنواع الحياة البيولوجية بإطلاقها، وتفرَّعت منها حملةٌ في غايةِ الفورة الحيويةِ، تحت عنوان «نحو زرع مليون شجرةٍ» والغريبُ أنها لم تبدأ من دولٍ صحراويةٍ أو حتى مداريةٍ أو سافانيةٍ بل من دول طبيعتها الأولى هي الغاباتُ الكثيفة، بدأتْ في البرازيل وبعض دول أمريكا الجنوبية، ثم نزلت على المحيط الهادي إلى «فيجي» الخضراء و»هاوائي» الأمريكية، ثم اليابان وأستراليا صعودا في الشمال إلى تايوان، والفلبين ، والهند الصينية، وبدأتْ في الهند، صعوداً إلى الباكستان..
 
لذا كان فرحي كبيرا حينما أخبرني مستشارُنا الكبير الدكتور خالد الغامدي مسئول التخطيط والتوجيه الاستراتيجي المتطوّع في «جمعية العمل التطوعية» الناشئة، وكان، وما زال، مع فريق «أولاد وبنات الدمام»، إنه يخطط لحملة المليون شجرة هنا في مدُنِنا وسيعزز ذلك سمعة محلية وعالمية لأمانة المنطقة .. وكان هذا الخبرُ دليلاً على تلاؤمنا الكوني، ونظرة الدكتور العالمية البيئية والمحلية، ومعرفته ما تعني الشجرة فوق أهميتها الفيزيائية، لأنها كما قال شاعرُنا السنسكريتي القديم بأنها رمز لاخضرارٍ برّاق للحبِّ في قلوبِنا..
 
واقترحتُ على دكتورنا العزيز أن يتم التركيزُ أيضاً على الشجرةِ الإحيائية الحيوية على سواحلنا وهي «أشجارُ القرم» «المانجروف»، فهذه شجرةٌ تكاد تكون مهد الحياةِ البحرية التسلسلية ابتداءً من الكائنات البحريةِ الدقيقة .. عندما تختفي هذه الشجرةُ، ستختفي الحياةُ البحريةُ معها بتتابع سقوطِ حجر «الدومينو».. وسيكون بحرُنا عبارةً عن صحراءٍ قاحلةٍ زرقاء.
 
إنها دعوةٌ أيضاً إلى المحبةِ التي تقودُ للشعور الالتحامي الإنساني مع نوعِهِ، ثم التكاملُ النوعي والحياتي مع بقية الأنواع..
 
فكلنا جلوسٌ تحت ظلِّ ومحبةِ الشجرةِ الأمّ!