العاملة
سنة النشر : 30/05/2010
الصحيفة : اليوم
.. مشاري الطفلُ الرضيعُ ينازع بين الموتِ والحياة، وهو بعدُ لمّا يأخذ تذكرةَ دخول الحياة. مشاري الرضيع يجري في دورته الدموية الندية سمٌّ يأكل كبدَه الصغيرة لأن يداً شيطانية أرضعته من فم الشيطان.
ومشاري يذهب إلى مستشفى الملك فيصل التخصصي ليهب له أبوه المحبّ المضحِّي قطعةً من كبده.. ومن قال أن الطفلَ سيهنأ بقية حياته مثل باقي الأطفال؟ فسيكون طيلة حياته تحت نظامٍ دوائي أبَدِي ليتعامل مع مناعته حتى لا ترفض القطعة الكبدية التي أتتْ من الأب لتحلّ محلّ الكبدِ المسمومة.. والحقيقة.. أننا كلنا جسدٌ كبده مسمومة، وسمّمْناها بأنفسِنا، سممناها بتواكلِنا، سببناها بغبائِنا، سببناها بصرَعِنا أمام الوجاهة والمظاهر، سببناها بضياع غرائزِنا الأولى، سببناها لأننا في الحلول لا نرى أبعد من أنوفِنا، فكلنا مسمومون وسمَّمنا معنا مشاري.
وسنحاسب على ذلك في يوم الدينونة.. كلنا سنًحاسَب! لو كنا نفكرُ قليلا، لأنقذنا مشاري وآلاف الأطفال الذين نفقدهم بسبب بقائهم مع العاملات.. ولم نسأل أنفسنا يوماً: ما الذي، بحق الله تعالي، يجعلنا نثق في العاملات على فلذات أكبادِنا؟ بل.. ولمَ يكون المطلوب منهن ذلك؟ ألم تترك العاملةُ أبناءَها من أجل أبنائكم، فوضعت كل حبها واشتياقها لأولادها كُرْها وحقداً وانتقاماً في أبنائكم؟ ثم، لمَ، وبأي عقل، وبأي منطق يعقل أن تتحمل العاملةُ أطفالـَنا، إذا كنا نحن أحيانا نكاد أن نتميز غيظاً من تصرفاتهم أو صراخهم؟
أتعجب هل أضعنا أيضا أعظم غريزة في الدنيا: غريزة الأم؟ كيف لأمٍّ أن تترك قطعة منها مع أجنبيةٍ لا تعني له شيئا، ولا يعني لها أي شيء؟ نعم إنها متطلبات الخروج للعمل.. آمنـَا بالله، طيب، ألم توضع هذه الأداة التي وسط جماجمنا للتفكير؟ بل لا نحتاج حتى أن نفكر؛ فقط أن نطبق ما نجح بتطبيقه الآخرون..
الذي يجعلني أود سلخ جلدي هو أننا نرى الحلولَ الكبرى أمامنا، ثم أن لا أحد يهتم بالتفكير بها، فضلا عن تطبيقها.. تصور لو أن حَلاّ واحدا وصغيرا، ولا يُخْرِجُ من خزينة الدولة ريالاً واحداً ( هذه الخزينة التي يتباكى على حمايتها من لا يعي معنى أن تكون هناك خزينةً في الأصل!) لا ينهي معاناة هؤلاء الأطفال فحسب ليحلَّ معه في الطريق مسألة البطالة للبنات، ويفتح لهن أبوابَ رزقٍ فينفعن وينتفعن.. وستدخل أيضا ريالات لخزينة، ويخرج كل طرفٍ في نهاية اليوم سعيداً راضيا.
انظروا.. لو أننا أنهينا أولاً مسألة المربيات أو العاملات وبالذات اللائي يتعاملن مع أطفاِلنا نهاية مبرمة نهائية، وطلبنا من كل مكان رسمي أو خاص تعمل به مجموعةٌ من النساء كالمدارس، والمستشفيات، وحتى في الجامعات بالكليات النسائية أن يُخصَّصَ مكانٌ مناسبٌ يكون بمثابة رعاية نهارية لأطفال الأمهات العاملات.
تصور أن تكون المعلمة ابنها أو ابنتها بجانبها، بإمكانها أن تطل عليه في كل فسحة، بل حتى وإرضاعه طبيعياً إن كانت مُرْضِعَة، وتصور كيف سيرتفع أداءُ هذه المعلمة لاطمئنانها على أغلى من في وجودِها ( وهذا عائدٌ لم نحسبه مع أنه يُترجَم ماديا)، وتصور أن تؤجَّر هذه الأماكن لفتياتٍ سعودياتٍ يتقاضينَ أجراً من الأمهات (وسيكون في المحصلة العامة أقل مما تدفعه للعاملة المستقدَمة) وتصوروا كم من آلاف الفتيات سينخرطن في عملٍ عصامي كريمٍ ومدرٍّ ونافع، وكم سيدخل على الخزينة أو المدرسة أو مقر العمل.
هل هذا صعب؟ هل الحل طوباويٌ صعب التطبيق؟ إني أرى الأصعبَ هو عدم اتخاذ هذا الحلّ! حلٌّ نضعه أمام الأمة، وسأسعى به، وله.. لماذا؟ لعلي أخفـِّفُ حسابي على الصراط!