المحدار

سنة النشر : 06/06/2010 الصحيفة : اليوم

 
هل تعرفون «المحدار»؟ أجزم بأن أكثركم لا يعرفون.. فأنا لم أكن أعرف، بل فوجئتُ لما وصلني طلبٌ من أهلها لحضور فعالية تخريج أول دفعةٍ من حفظة القرآن الكريم..
 
الذي رأيته بالمحدار، القرية المنسية بجوار منطقة سلوى الحدودية مع قطر، جعلني أفكرُ بعيداً عن «المحدار» إلى خارج المدار، إلى مدار هذه الأمة بالكامل.. وكيف تغيب عنا أهم عناصر أمننا، ثم نقول لماذا توجد الجيوبُ؟ ولماذا توجد الخلايا النائمة؟ بينما كان من الطبيعي أن تحصل هذه الأشياءُ بوجود مخابئ وجيوب خطرة وفي أكثر المواقع أهمية متروكة وكأنّنا تخلينا عنها وعرضناها على من يريد أن يفعل ما يشاء، نفضنا أيادينا عنها ومضينا..
 
ولولا الرحمة الإلهية لتحولتْ هذه المناطق المنسية المتروكة إلى جيوبٍ متناثرةٍ وقابلة للتورم على حدودِ هذه الأمة.. ولطـَف الله أن يتلقف «المحدارَ» شابٌ قويم الفكر صافي النوايا، قوي الغيرة، اسمه «محمد المبرد»، لينقذ هذه الهجرة من جوف الشيطان.. لم أقل أنا هذا بل قالها صغيرٌ بعقده الثاني من أبناء المحدار.
 
المحدار بقعةٌ منسيةٌ مغبَّرةٌ طافت عليها مركبة الزمن وتعدتها بدون أن تلتفت إليها، كانت هجرةً لأبناء قبيلة «بني مُرّة»، ثم تكاثر عليها القادمون من أطراف حدودنا مع عمان واليمن والإمارات، وتجد من الوهلة الأولى تغيرا ديموغرافيا (إن صلح المصطلحُ للقرية البدائية) فبينما يوزعون في الحفل جوائز تخرج طلبة الحفظ، لم ألاحظ إلا قلة من بني مُرة، والعددُ الكاسحُ الأعظم هم من آل المنهالي القبيلة المعروفة في جنوب الخليج.
 
وتجد أن اللهجة بالقرية خليطٌ كبرج بابل من فصاحة بني مرة، إلى عجمية المهَرَة، إلى لكناتٍ ضائعة في نطق الحرف العربي، وكلهم سعوديون الآن.. وكلهم في مكان اسمه «النسيان» لا وجود لأي منظمة رسميةٍ ولا تطوعيةٍ ولا اجتماعية إلا جمعية تحفيظ القرآن في الإحساء التي أعطتْ مظلة رسمية للشاب الفذ الشيخ «محمد المبرد» ليقوم بنفسه وحيدا بتغيير طبيعة القرية بشرياً، وأنك ترى تاريخاً لم يعد يحدث الآن، وكأن نفقَ الزمن حقيقة دخلتَ منه إلى المحدار حين يكون الفقرُ والجهلُ والتخلفُ والضياعُ الفكري والديني ضارباً أطنابه بعمق في أولئك المنسيين.. لقد نقلهم الشيخ «المِبْرد»، بعد أن استعان بجهده بثلاثة مدرسين، كل أبناء القرية تقريبا من الجهل والتخبط إلى حفظ القرآن، وتقويم للسان، وتجويد البيان.. ووضع اللغة والتعارف والفهم وهيكل الأخلاق ومبرر وعي الوجود في الأطفال، فنقلوه إلى آبائهم وأمهاتهم، هذا ما سمعته من أولياء الأمور بأذني.
 
قيل لطفلٍ من الذين حفظوا من القرآن: «ما شعورك الآن بعد أن حفظت أجزاء من القرآن الكريم؟»، فردّ بعفويةٍ أذهلتني وبقيت ترنّ في وعْيي: «كان رأسي يسكنه الشيطانُ، والآن يسكنه القرآن.».. بالضبط!
 
رأيت الفقرَ المُعيب، وكيف يكون الفقر معيبا؟ هو أن تكون تسع عائلاتٍ ببناتها وأولادها بنسائها ورجالها في بيت (شبه بيت) صغير يتكومون فيه.. لا عقل، لا شرع، لا أخلاق، لا منطق، لا ضمير يقبل هذا..
 
إنها قريةٌ على الحدود، يجب أن نلتفت لها ليس فقط من أجلها بل من أجل الأمّة، تصوروا لو وقعت هذه القرية المنسية بيد مهربي المخدرات، أو بائعي أفكار ومهام التخريب.. هذه القُرى الحدودية هي التي يجب أن تكون في أول وعينا إن لم يكن الإنساني فيجب أن يكون الأمني، وألا نكون كمن يحمي بيتاً ويترك أبوابَهُ مشرعةً لمن يريد
.
ولا يمكن أن ينتهي الموضوعُ هنا.. فيوما سيكون لنا عودة.