بول مكارثي
سنة النشر : 13/06/2010
الصحيفة : اليوم
.. لي صديقٌ من جنوب أفريقيا اسمه «بول مكارثي»، نعم على اسم فنان البيتلز الشهير، وجاء كأسُ العالم، وأخبرني أن حفيدة رئيسهم الرمز «مانديلا» توفيَت بحادث سير.. وبأنه يتوقع شيئا مهما سيخبر الأمة به الرئيس «جاكوب زوما» على شاشات التلفزيون..
ثم جاءتني منه هذه الرسالة (أترجمها): « أتعرف ما هي الكلمة التي وجهها رئيسنا إلى الأمة؟ لم يكن نعْياً لحفيدة الرئيس الأعظم، بل رسالة نقلها للشعب، قال: إنها جاءته من الرئيس نيلسون مانديلا، يخبره فيه أن على الأمة أن تبتهج، وتستمر في المونديال، ولا تقف عند مسألة وفاة حفيدته، وعليكم أيها الشعب أن تركزوا على الفرحة والفخر الكبيرين بأننا الآن محط نظر الكوكب بأكمله..»
يعني كأنه يقول، يا صديقي واحدة وراحت بالزحام، لا تعني شيئا حتى ولو كانت حفيدة أهم زعيم أرضي حي الأثيرة على قلبه.. فالمسالة فيها فلوس.. فلوس كثيرة.. لا وقت للحزن، ولا حتى المسح على رأس عجوز شاب شعره ويعيش آخر أيامه.. لا أدري يا صديقي هل أحترم الكرة؟ أم أحتقرها؟ هل أحترمها لأنها أجبرت كل من في الأرض أن يركع أمامها، أم أحتقرها لأنها فعلت ذلك؟..» وعلى الفور، ماذا عملتُ يا ترى؟ أرسلتُ له فوراً ترجمة بالإنجليزية لبيت «أحمد شوقي» الذي كتبه في نعي صديقه «مصطفى لطفي المنفلوطي»، الذي مات في نفس اليوم الذي مات به سعد زغلول زعيم الأمة المصرية ومحبوبها الأول آنذاك، فهو يخاطب صديقه المتوفـَّى المنفلوطي ويلومه قائلا: اخترتَ يومِ الهوْل يومَ وداعٍ ونعاكَ في عصفِ الرياح الناعي وأرسل لي بول: «شاعرك هذا عظيم، هل هو معروف بالعالم العربي؟ وضحكت في نفسي.. ثم أجبته: « لولا شهرة لاعبي كرة القدم، لقلت لك إن هذا الشاعرَ هو أشهر اسم عربي في القرن العشرين.»
فعلى «نيلسون مانديلا» أن يعتكف في حزنه لوحده، فالعالم لاهٍ عنه لمتابعة أكبر مناسبة كونية، لأكبر لعبة كونية. وأعتقد حتى إن أقرب الناس إليه لم تفته فعاليات الافتتاح ولا مبارتاه! ونعود لسؤال السيد بول مكارثي، هل نحترم الكرة أم نكرهها؟ كرة القدم هي العدل الأوضح مثولا في واقعنا، فهي ليست حِكْرا على أحد، ولا طبقة على طبقة، ولا لونا على لون، ولا دينا على دين، ولا حتى انتماء على انتماء، سواء كان انتماء عقديا أم ديموغرافيا..
فينبه في الكرة فقيرٌ مدقع كانت أمه تبيع سمكة واحدة في أصغر قرية بالكاميرون، ويتنافس هو وجيرانه بجمال بيوتهم بنوع الكرتون الذي ينام تحته، ثم ترفعه الكرة تحت أكبر سماءين كرويين في أسبابنا وإيطاليا على التوالي، ويصير من أثرى الناس، وأشهرهم قاطبة وهو «صموئيل إيتو».
وترفع الكرة أرستقراطيا فذا مثل سقراطيس لاعب البرازيل في السبعينيات الطبيب أبن العائلة الثرية، والذي كان من عظماء اللعبة، وكما قال عنه ذئب البرازيل الأبيض: «سقراط أجمل مخلوق يجري على الأرض» .
منتهى المساواة. ويلعب في الفريق الواحد الأسود والأبيض، والمسيحي والمسلم والبوذي، منتهى التسامح والديمقراطية. ولا هي متطلبة ولا يعنيها الشكل فيبرز «مارادونا» وصهره و» ليو ميسي» وهم قصارُ القامة، ويبدع لاعبو الدانمرك وهولندا «وكراوتش» الإنجليزي بقامته التي تتعدى المترين.. منتهى العدل والمرونة. ثم أن الجميع يحبها ويلعبها الفقير والغني، والعالِم والجاهل، ويفهمها الجميع.
نخلص إذن بقدرتها على جمع قلوب العالم بشتاتهم على شيءٍ واحد.. فلا يغير من ذلك احتقارٌ لها أو إكبار! .